واستدل الحنابلة ومن وافقهم-رحمة الله على الجميع-بأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أمر أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها-أن تنقض شعر رأسها إذا اغتسلت من حيضها كما في حديث حجة الوداع ، وأصل هذا الحديث في الصحيحين أنها كانت مع رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- في حجته قالت : " فحاضت فانسللت قال : (( مالَك أنفست؟؟ )) قالت : نعم . قال :(( ذاك شئ كتبه الله على بنات آدم اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) وفي رواية عن ابن ماجة :(( فإذا طهرت فانكثي شعرك واغتسلي)) قالوا فأمرها بنكث شعرها والنكث والنقض بمعنى فكأنه يأمرها أن تعم جميع شعرها بالماء وقد أجاب العلماء - رحمهم الله - بأن حديث أم سلمة يدل على أن هذا الأمر للاستحباب ؛ لأن القاعدة في الأصول : " أن الأمر محمول على الوجوب حتى يدل الدليل على صرفه عن ذلك الظاهر" فلما كان حديثنا صرح فيه النبي-- صلى الله عليه وسلم -- بأن الطهارة تحصل بمجرد تعميم جلدة الرأس دل على أن المقصود هو غسل جلدة الرأس ، وأن الشعر تبع وليس بأصل وهذا هو الصحيح ولذلك يكون حديث عائشة -رضي الله عنها- محمولاً على الندب والاستحباب لا على الحتم والايجاب.
قوله-عليه الصلاة والسلام-:(( إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء)):إنما يكفيك أي يجزيك وهذا يدل الغسل الذي هو واجب والعلماء قسموا صفة الغسل إلى قسمين سبقت الإشارة إليهما فأخذوا من قوله -عليه الصلاة والسلام-:(( إنما يكفيك)) دليلاً على الصفة التي يسمونها صفة الإجزاء وهو استنباط صحيح واضح .