العرب تتجوز في الأساليب فتارة يأتي النص عن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- خبر والمراد به الإنشاء فلما قال في حديث علي بن أبي طالب وحديث خزيمة الذي ورد في السؤال وحديث علي ثابت وصحيح : (( يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يوم وليلة )) هذا خبر يمسح جملة خبرية ؛ ولكن المراد بها الإنشاء أي امسحوا إذا كنتم مسافرين ثلاثة أيام وامسحوا إذا كنتم مقيمين يوم وليلة ، وهذا من التجوز العرب تتجوز فمثلا تعبر بالجملة الماضية على شيء سيأتي فالخبر قد يستعمل بمعنى الإنشاء والإنشاء يستعمل بمعنى الخبر مثلا تعبر بصيغة الماضي بشيء تفيد تحقيقه كقوله -- سبحانه وتعالى -- :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾(1) هو يقول فلا تستعجلوه معنى أن يوم القيامة وشدائدها وأهوالها وبعث الله العباد فيه سيأتي وأنه محقق كأنه قد جاء وهذا كما قلنا تحقيق للخبر وإثبات له، ومنه كذلك يحقق الخبر من باب حسن الطن بالله كقولك في الميت-رحمه الله- وقولك في الرجل-غفر الله له- هذه كلمة-رحمه الله- من باب الفأل وقصدك اللهم ارحمه كما قال -- سبحانه وتعالى -- :﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾(2) أي أن الله قد عفا عنك ، وكذلك قولك للرجل-غفر الله لك- أسأل الله أن يغفر لك ، وكقولك للرجل-عفا الله عنك- أي أسأل الله أن يعفو عنك هذه كلها أساليب واضحة مشهورة ومعروفة في لغة العرب فيعبر بالخبر ويراد به الإنشاء ويعبر بالإنشاء ويراد به الخبر وقد يأتي حتى اللفظ بصيغة يراد بها غير ظاهرها كالتهديد ونحوها مثل قوله -تعالى- :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾(3) هذا أمر والمراد به الإخبار بحل الصيد فهو أمر بمعنى الخبر ، وكقوله -تعالى- :﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾(4) هذا تهديد وليس المراد اعملوا ما شئتم أي حل لكم أن تفعلوا ما شئتم وكقوله -سبحانه-:{ ذُقْ
(1) / النحل ، آية : 1 .
(2) / التوبة ، آية : 43 .
(3) / المائدة ، آية : 2 .
(4) / فصلت ، آية : 40 .