فقوله هنا " أو نوم " : وإن كان مطلقاً فإنه يعتبر مقيداً بما ذكرنا وبناءً على ذلك فإننا نقول : إن النوم ليس حدثاً بذاته حتى نقول إنه يوجب النقض قليله وكثيره ولكنه يعتبر مظنة للحدث ؛ لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم --بين العلة وأخبر أن العينين إذا نامت استطلق الوكاء فدل على أن العلة هي زوال الشعور فمن نام وزال عنه الشعور بحيث إذا خرج منه الريح لا ينتبه بخروجه فإنه يحكم بانتقاض وضوئه ، أما إذا نام وهو متمكن من نفسه يشعر بما يخرج منه فإنه لا ينتقض وضوءه لما ذكرنا .
وقوله-- رضي الله عنه -- " ولكن من جنابه " : الجنابة مأخوذة من الجنب وإما أن تكون مأخوذة من الجنب بمعنى القرب ، يقال فلان بجنب فلان ومنه قوله-- سبحانه وتعالى --:﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾(1) أي الملاصق للدار القريب من الإنسان ؛ والسبب في ذلك أن الجنابة في الغالب تكون بسبب الجماع وهو يقتضي الملاصقة والقرب ، وقال بعض العلماء : إنها مأخوذة من المجانبة بمعنى البعد وهذا المعنى يعتبر ضداً للمعنى الأول ؛ والسبب في ذلك أن صاحب الجنابة أو من حكم بكونه جنباً فإنه يبتعد عن فعل العبادات التي تشترط لها الطهارة ، فلا يصلي وكذلك بالنسبة لطوافه بالبيت ونحوهما من العبادات التي تشترط لها الطهارة فقالوا وصفة الجنابة لذلك لأنها تقتضي المجانبة بمعنى البعد .
وقوله " لكن من جنابه " : فيه دليل على أن من لبس خفيه ومسح عليهما أنه إذا أصابته الجنابة وجب عليه أن ينزع الخفين وأن يغسل الرجلين وأنه لا يجوز له أن يمسح على خفيه في الطهارة الكبرى ، وهكذا المرأة إذا مسحت على خفيها فإنه يجب عليها أن تنزع خفيها لغسل الجنابة ؛ لأن النبي -- صلى الله عليه وسلم - -جعل المسح بالطهارة الصغرى ولم يجعله في الطهارة الكبرى .
قال المصنف-رحمه الله- : بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَعْلاَهُ وَأَسْفَلِهِ
الشرح :
(1) / النساء ، آية : 36 .