لكن الإشكال لو كان الزقاق بكامله أو انتشر في أزقة القرية نجاسة فحينئذ يخفف في حكمها ؛ لأن المشقة تجلب التيسير ، والأمر إذا ضاق اتسع ، فلو كنت ذاهباً إلى المسجد ، ولم يكن إلا طريق ، وهذا الطريق انفجرت فيه بيارة ، وأصبحت لا تستطيع أن تذهب إلا من هذا الطريق ، وتعين هذا الطريق لذهابك فإنك تتقي ما استطعت ، ثم يخفف عنك فيما وراء ذلك ، ولذلك لا يحكم بتأثير مثل هذا ، ولم ينكر النبي-- صلى الله عليه وسلم --على الصحابة حينما أقوا الخمر في سكك المدينة ، وهي نجسة ، ومع ذلك قال العلماء : إذا عمت البلوى أنه يرخص للناس ولا حرج عليهم في ذلك ، وهي المسألة المشهورة التي أُثر عن بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة ، وتحكى عن الإمام محمد بن الحسن -رحمه الله-أنه دخل إحدى مدن خراسان ، وكان معه بعض تلامذته ، فمر بأزقة المدينة وإذا بها متنجسة ، سئل عن هذا النجس الذي يوطأ فأفتى بأنه لا يؤثر ، فقيل له في ذلك ، قيل له : إنك ببغداد أفتيت بأنها تؤثر ، وكنت تمنع الناس وتزجرهم ، فما بالك اليوم أرجعت عما كنت تقوله ، قال : لا إن الناس هنا يستضرون ، "وأن الأمر إذا ضاق اتسع " ، أي أننا إذا قلنا لهم يتحفظون من هذه النجاسة ، وبهذه الصورة وبهذه الكيفية ، لشق الأمر ، كما هو الحال في المرضى ، ومن يداوي المرضى كالأطباء ونحوهم ، إذا كان في عملية جراحية ، والوقت ضيق عليه ، وتلطخ بالدماء وهي نجسة ، هذه الأمور من مرونة الشريعة الإسلامية أنها تقدر الأحوال الخاصة ، وتعطيها أحكاماً تخصها ، ولذلك يحكم في مثل هذا إذا انفجرت البيارة في الحي ، أو في المدينة وكان لا يمكن أن يتقى هذا الماء ، أو يتحفظ منه فإنه حينئذ يرخص على الناس ، ويكونوا مما وسع عليهم فيه ، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- رخص في الصلاة على الدابة ، وقد كان يركب الحمار -صلوات وسلامه عليه - ، ويصلي على دابته ومنها الحمار ،
شرح سنن الترمذي · الصفحة ١٢١٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح سنن الترمذيص ١٢١٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي