الأصل في الماء إذا نظرت إليه أنه طاهر هذا أصل ؛ لأن الماء في أصل وجوده يعتبر طاهراً قال-تعالى-:﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾( ) فدل على أن الماء في الأصل طاهر ، لكن إذا جئت تنظر إلى أي شيء يجري من المياه تقول الأصل طهارته حتى يدل الدليل على نجاسته وخروجه عن هذا الأصل ، فإذا كان من موضع يشتبه في كونه نجساً ، أو أنه خرج مع النجس ، أو اختلط بالنجس فحينئذ هناك دليل آخر يسمى بالظاهر ، مثل ما يكون في دورات المياه الأماكن القريبة من الكرسي الذي يجلس عليه الإنسان ويقضي عليه حاجته ، أو نفس الماء الموجود في الكرسي نفسه هذا الظاهر فيه أنه نجس ، فهناك شيء يسمى الأصل ، وهناك شيء يسمى الظاهر ، في بعض الأحيان يقدم الشرع الأصل ويلغي الظاهر ، وبعض الأحيان يقدم الظاهر ويلغي الأصل ، وتعارض الظاهر مع الأصل مسألة دقيقة ، ولذلك تحتاج إلى نظر في جزئياتها وفروعها قبل أن يعمم الحكم فيها ، هل الأقوى أن تقول الأصل أو الأقوى أن تقول الظاهر ، لأنه في بعض الأحيان يكون الظاهر حجة فلو اختصم رجلان في سيارة مثلاً عند قاض ، أو قال أحدهما هذه سيارتي ، وهو الراكب فيها الذي يقودها وجالس مكان القيادة ، والثاني بجواره يقول بل سيارتي أعطيته إياها ، فإن الظاهر من حاله أن السيارة ملك للذي هو في مقعد قيادتها ؛ لأن العرف ويظهر للناس بما جرى به العرف أنه مالك لها .
ولو اختصم رجلان في بيت أحدهما ساكن فيه ، والثاني خارج عنه ، فإن الظاهر أن الذي هو ساكن فيه أن البيت بيته ، فالشرع يحكم بالظاهر ، ويحكم بالأصل كما هو معروف أن اليقين لا يزال بالشك كما هي قاعدة الشرع .