واحتج جمهور العلماء - رحمهم الله - بحديث حذيفة بن اليمان-- رضي الله عنه - وأرضاه- : " أن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- أتى سباطة قوم فبال وهو قائم ، ثم تنحى فتوضأ ومسح على خفيه " قال الجمهور : وقد وقع هذا الفعل من رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- في الحضر ، فدل على أن الرخصة لا تختص بالسفر .
واستدلوا بما ثبت في حديث صفوان بن عسال ، وحديث علي بن أبي طالب - رضي الله عن الجميع - حيث أقت النبي -- صلى الله عليه وسلم - -للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوما وليلة ، فدل على أن المسح يكون للمقيم كما يكون للمسافر ، وأنه لا يختص بالمسافرين دون المقيمين .
واحتج الإمام مالك -رحمه الله- في إحدى الروايات عنه بأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- إنما ثبت عنه المسح في حديث المغيرة بن شعبة -- رضي الله عنه - - وقد وقعت هذه الحادثة في غزوة تبوك حينما قفل-صلوات الله وسلامه عليه - راجعاً إلى المدينة ، قالوا : فإذا وردت الرخصة في السفر فإننا نخص الحكم به دون الحضر .
وأكدوا هذا من جهة النظر فقالوا : إن السفر مضنة المشقة والتعب والنصب ، فخفف عن المسافر في المسح على خفيه ، كما خفف عنه في الصلاة فسقط عنه شطر الرباعية ، كما هو معلوم .
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بأن المسح على الخفين لا يتأقت بالسفر ، وإنما هو عام شامل للحضر والسفر ؛ لأن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- رخص لأصحابه مطلقاً ، وعلى هذا فإن الجواز المستفاد من حديث جرير بن عبد الله -- رضي الله عنه -- في هذه السنة الصحيحة يعتبر على سبيل العموم ، لا يختص بالمسافرين دون المقيمين ، بل إنه يسن للإنسان أن يمسح على خفيه سواء كان في السفر أو كان في الحضر .
قال المصنف-رحمه الله- : بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ
الشرح :