الفائدة الثانية : أنهم كانوا يرون فعل رسول الله-- صلى الله عليه وسلم --حجة على العموم ، حيث إنهم لم يلتفتوا إلى نص القرآن في مقابل نص السنة ، وإنما اعتبروا نص القرآن أصلاً والمسح على الخفين الثابت في السنة فرعاً ، أي أنه رخصة للمسلم أن يفعله .
والفائدة الثالثة : أن جريراً -- رضي الله عنه - وأرضاه- استند إلى فعل رسول الله-- صلى الله عليه وسلم --بالرؤية فنفى الواسطة بين رؤيته لفعل النبي -- صلى الله عليه وسلم -- ، وحينئذ يقوى أن فعله-صلوات الله وسلامه عليه-للمسح وقع بعد نزول آية المائدة ، ولذلك أثبت المغيرة بن شعبة -- رضي الله عنه - وأرضاه- ذلك في قصته حينما كان مع النبي-- صلى الله عليه وسلم -- راجعاً في غزوة تبوك ، فالمقصود أن جريراً -- رضي الله عنه - وأرضاه- احتج بهذا الفعل ؛ لأنه لا يرى التعارض بين الكتاب والسنة .
وقوله : " وكان يعجبهم حديث جرير" : قال بعض العلماء : إن إبراهيم النخعي قصد بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود -- رضي الله عنه - وأرضاه- ، وذلك أنهم كانوا يشتبهون في تأخر المسح ، وكانوا يظنون أن آية المائدة تعتبر ناسخة للمسح ، فإذا بهذا الحديث يرفع الإشكال ويزيل اللبس .
هذا الحديث الصحيح عن رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- اعتنى المصنف-رحمه الله- بذكره في هذا الموضع لكونه يدل على مشروعية المسح على الخفين .
وللعلماء في المسح على الخفين من حيث الجواز وجهان :
الوجه الأول : أن المسح على الخفين جائز مطلقاً ، سواء كان في السفر أو كان في الحضر ، وبهذا القول قال جماهير الخلف والسلف-رحمهم الله- ، وبه يقول أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وجمع من أصحاب النبي -- صلى الله عليه وسلم -- أن رخصة المسح على الخفين ليست بخاصة بالسفر ، وليست بخاصة بالحضر ، وإنما هي عامة .
الوجه الثاني : ذهب الإمام مالك-رحمه الله- في إحدى الروايات أن المسح على الخفين يعتبر رخصة في السفر دون الحضر .