وأما على القول الثاني : فإن المضمضة إنما تكون من أجل الصلاة ، وتكون الحكمة في ذلك كونه يقف بين يدي الله- - عز وجل - - ، ووجود الزهومة والدسم في فمه لا يأمن معه أن يتشوش فكره بسبببه ، ولهذا يقولون يختص فعل المضمضة بما إذا كان مريداً للصلاة ، أما إذا لم يرد الصلاة فإنه بالخيار إن شاء فعل ، وإن شاء ترك ولا سنة في ذلك .
ولا شك أن الحديث يحتمل الوجهين ، فأما كونه من آداب الأكل والشرب فيقويه قوله-عليه الصلاة والسلام- :(( إذا شربتم اللبن فتمضمضوا )) وهو حديث حسنه بعض العلماء - رحمهم الله- ، قالوا فقوله : (( إذا شربتم اللبن فتمضمضوا )) عام ، يدل على أن المقصود إذهاب الزهومة ، فكونه يذهب الزهومة هو المقصود ، وعلى هذا فيستوي أن يكون الإنسان متوضئاً أو غير متوضئ ، وتكون السنة في المضمضة بعد شرب اللبن تكون سنة عامة ، سواء كان الإنسان متوضئاً أو غير متوضئ .
وأما على الوجه الثاني فإن السنة تختص بالمتوضئ ، فمن توضأ فإنه إذا شرب اللبن بعد الوضوء فإنه يتمضمض لإزالة هذا الأثر .
وفي هذا الحديث دليل على سمو هذه الشريعة الإسلامية ، وكمال في منهجها في دعوتها إلى طهارة الحس والمعنى ، فكما أن الإسلام دين يدعو إلى نظافة الإنسان ونقائه من الدنس المعنوي كالكفر والشرك وسائر العصيان كذلك هو يدعو إلى طهارة الأبدان ، وبقاء الإنسان على أكمل الهيئات ، وأحسن الشارات وأفضلها ، ولذلك حرص-صلوات الله وسلامه عليه- على إزالة أثر الدسم الناتج عن اللبن ، فنحمد الله-- عز وجل -- على منته ، ونشكره على جميل نعمته ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله -.
قال المصنف - رحمه الله - : بَاب فِي كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلاَمِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ