هذه الترجمة ذكرها الإمام الترمذي -رحمه الله- لأن المسلم إذا توضأ وأراد أن يصلي فإنه قد يقع بين وضوئه وبين صلاته أمور يرد سؤال الناس عن حكم المضمضة بعدها ومن ذلك أكل الطعام أو شرب الشراب ؛ لأن هدي رسول الله-- صلى الله عليه وسلم --في الوضوء أنه كان يتمضمض ، وهذه المضمضة لا إشكال في كونها تطهيراً للفم وتنظيفاً ، وإذا أكل الإنسان بعد الوضوء أو شرب فإن فمه يتغير برائحة الأكل ، وحينئذ لا يخلو إذا وقف بين يدي الله-- عز وجل -- في صلاته فإنه لا يأمن من تشوش فكره ، واشتغاله بطعم الطعام الذي في فمه ، أو برائحة الشراب الذي شربه ، وعلى هذا فهل يعيد المضمضة أو لا يعيدها ؟؟
فذكر المصنف -رحمه الله- هذا الحديث وأصله ثابت في الصحيح عن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- وترجم بمثل ذلك الإمام البخاري في صحيحه " باب من تمضمض من اللبن " .
وللعلماء-رحمهم الله- في هذا الحديث وجهان :
الوجه الأول : أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- تمضمض بعد شرب اللبن ، وهذه المضمضة من آداب الأكل والشرب لا من آداب الصلاة .
والوجه الثاني : أن مضمضته-عليه الصلاة والسلام- إنما كانت من أجل الصلاة .
فأما على الوجه الأول : فإنهم يرون أن المسلم إذا شرب اللبن ، أو شرب ما فيه دسم ، أو أكل شيئاً له دسم وزهومة فإنه يتمضمض حتى يقلع عن فمه الوضر ؛ ولذلك شرع للمسلم أن يستاك حتى يزيل بقايا الطعام من فمه وكذلك بقايا الشراب ، فكما أنه يستاك لإزالة الضرر الحسي كذلك يتمضمض حتى يجمع في الإزالة بين الحس والرائحة ، وعلى هذا قالوا : إنه يتمضمض الإنسان سواء أراد أن يصلي أو لم يرد الصلاة .
مثال ذلك : لو أن إنساناً توضأ وضوءه للصلاة ، ثم شرب اللبن وأراد أن ينام بعد وضوئه وشربه فعلى هذا القول فإنه يتمضمض تأسياً بالنبي -- صلى الله عليه وسلم -- .