وأنسب الأجوبة في هذا أن ابن مسعود-- رضي الله عنه - وأرضاه- قصد الاجتماع مع النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أثناء جلوسه مع الجن ، أما كونهم صحبوه إلى حد الخط الذي خطه - صلوات الله وسلامه عليه - فهذا غير منفي ، وحينئذ لا تعارض بين الخبرين ، فيحمل النفي على الجلوس معه أثناء تحديثه للجن ، ويحمل الإثبات على صحبتهم له إلى الحد الذي نهاهم - عليه الصلاة والسلام - أن يتخطوه .
هذا الحديث -أعني حديث نبيذ التمر- فيه حجة لمن يقول بجواز الوضوء بالماء إذا تغير بالطاهرات ، فقالوا إذا وضع في الماء شيء طاهر وتأثر بذلك الطاهر فإنه يبقى ماء ، فأجازوا للإنسان أن يتوضأ بالماء الطاهر وقد قدمنا أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : ماء طهور : والمراد بذلك الماء الذي بقي على أصل خلقته كماء السيل ، وماء البحر ، وماء النهر ، وماء العين ، وماء البئر فهذه المياه كلها تعتبر ماءً طهوراً يجوز للمسلم أن يتوضأ ويغتسل به بإجماع العلماء ، قال-تعالى- :﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾(1) ، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أنه لما سئل عن بئر بضاعة قال : (( إن الماء طهور )) فدل هذا على أن الماء الطهور يجوز للمسلم أن يتطهر به في الطهارة الصغرى والكبرى ، ويتطهر به فيغسل النجاسة من ثوبه وبدنه ومكانه .
وأما القسم الثاني : من المياه فهو الماء النجس : والإجماع على أنه لا يجوز أن يتوضأ ولا أن يغتسل به وهو الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة ، فهذا القسم الثاني من الماء بالإجماع لا يجوز أن يتوضأ أو يغتسل به المسلم .
وأما القسم الثالث : فهو محل خلاف بين العلماء ، وهو الماء الطاهر الذي وقع فيه شيء طاهر ، كالماء الذي يوضع فيه شيء من الورد ، أو شيء من الزعفران فيوجد فيه طعم الزعفران أو لونه أو ريحه ، فللعلماء فيه قولان مشهوران :
(1) / الفرقان ، آية : 48 .