4.148-162
المناسبة: لما ذكر تعالى المنافقين وفضحهم في الآيات السابقة، ذكر هنا أنه لا يحب إظهار الفضائح والقبائح، إلا في حق من زاد ضرره وعظم خطره، فلا عجب أن يكشف الله عن المنافقين الستر، ثم تحدث عن اليهود وعدد بعض جرائمهم الشنيعة مثل طلبهم لرؤية الله، وعبادتهم للعجل وادعائهم صلب المسيح، واتهامهم مريم البتول بالفاحشة إلى غير ما هنالك من قبائح وجرائم شنيعة.
اللغة: ﴿ جهرة ﴾ عيانا ﴿ بهتانا ﴾ البهتان: الكذب الذي يتحير فيه من شدته وعظمته ﴿ شبه ﴾ وقع الشبه بين عيسى والمقتول الذي صلبوه ﴿ وأعتدنا ﴾ هيأنا ﴿ الراسخون ﴾ المتمكنون من العلم.
سبب النزول: روي أن كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا يا محمد: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة جملة فأنزل الله ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء... ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ أي لا يحب الله الفحش في القول والإيذاء باللسان إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه وأن يذكره بما فيه من السوء قال ابن عباس: المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما ﴿ وكان الله سميعا عليما ﴾ أي سميعا لدعاء المظلوم عليما بالظالم ﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ﴾ أي إن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه أو عفيتم عمن أساء إليكم ﴿ فإن الله كان عفوا قديرا ﴾ أي كان مبالغا في العفو مع كمال قدرته على المؤاخذة، قال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى حث تعالى على العفو وأشار إلى أنه عفو مع قدرته فكيف لا تعفون مع ضعفكم وعجزكم؟! ﴿ إن الذين يكفرون بالله ورسله ﴾ الآية في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره، جعل كفرهم ببعض الرسل كفرا بجميع الرسل، وكفرهم بالرسل كفرا بالله تعالى ﴿ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴾ التفريق بين الله ورسله أن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم وقد فسره تعالى بقوله بعده ﴿ ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴾ أي نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وتركوا الإسلام دين الله الذي بعث به رسله ﴿ ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ﴾ أي طريقا وسطا بين الكفر والإيمان ولا واسطة بينهما ﴿ أولئك هم الكافرون حقا ﴾ أي هؤلاء الموصوفون بالصفات القبيحة هم الكافرون يقينا ولو ادعوا الإيمان ﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ أي هيأنا لهم عذابا شديدا مع الإهانة والخلود في نار جهنم ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ أي صدقوا الله وأقروا بجميع الرسل وهم المؤمنون أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لم يفرقوا بين أحد من رسله بل آمنوا بجميعهم ﴿ أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ﴾ أي سنعطيهم ثوابهم الكامل على الإيمان بالله ورسله ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي غفورا لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلا عليهم بأنواع الإنعام ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء ﴾ نزلت في أحبار اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى جملة، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت والعناد، فذكر تعالى سؤالهم ما هو أفظع وأشنع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي بالرسل فقال ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ أي سألوا موسى رؤية الله عز وجل عيانا ﴿ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ﴾ أي جاءتهم من السماء نار فأهلكتهم بسبب ظلمهم ﴿ ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات ﴾ أي ثم اتخذوا العجل إلها وعبدوه من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات من العصا واليد وفلق البحر وغيرها قال أبو السعود: وهذه المسألة - وهي طلب رؤية الله - وإن صدرت عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون ويذرون أسندت إليهم ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ أي عفونا عما ارتكبوه مع عظم جريمتهم وخيانتهم ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ أي حجة ظاهرة تظهر صدقه وصحة نبوته قال الطبري: وتلك الحجة هي الآيات البينات التي آتاه الله إياها ﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ﴾ أي رفعنا الجبل فوقهم لما امتنعوا عن قبول شريعة التوراة بسبب الميثاق ليقبلوه ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ﴾ أي ادخلوا باب بيت المقدس مطأطئين رءوسكم خضوعا لله فخالفوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة استهزاء ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ أي لا تعتدوا باصطياد الحيتان يوم السبت فخالفوا واصطادوا ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ أي عهدا وثيقا مؤكدا ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ أي فبسبب نقضهم الميثاق لعناهم وأذللناهم و ﴿ ما ﴾ لتأكيد المعنى ﴿ وكفرهم بآيات الله ﴾ أي وبجحودهم بالقرآن العظيم ﴿ وقتلهم الأنبيآء بغير حق ﴾ كزكريا ويحيى عليه السلام ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ أي قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم قلوبنا مغشاة بأغشية لا تعي ما تقوله يا محمد، قال تعالى ردا عليهم ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ أي بل ختم تعالى عليها بسبب الكفر والضلال فلا يؤمن منهم إلا القليل كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ أي وبكفرهم بعيسى عليه السلام أيضا ورميهم مريم بالزنى وقد فضلها الله على نساء العالمين ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ أي قتلنا هذا الذي يزعم أنه رسول الله، وهذا إنما قالوه على سبيل " التهكم والاستهزاء " كقول فرعون