تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.88-96

المناسبة: لما ذكر تعالى مواقف المنافقين المخزية، عقبه بذكر نوع آخر من أحوال المنافقين الشنيعة، ثم ذكر حكم القتل الخطأ والقتل العمد، وأمر بالتثبت قبل الإقدام على قتل إنسان لئلا يفضي إلى قتل أحد من المسلمين، ثم ذكر تعالى مراتب المجاهدين ومنازلهم الرفيعة في الآخرة.

اللغة: ﴿ أركسهم ﴾ ردهم إلى الكفر أو نكسهم وأصل الركس رد الشيء مقلوبا قال الشاعر:

فأركسوا في حميم النار إنهم

كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا

﴿ حصرت ﴾ ضاقت من الحصر وهو الضيق ﴿ السلم ﴾ الاستسلام والإنقياد ﴿ ثقفتموهم ﴾ صادفتموهم ووجدتموهم ﴿ فتبينوا ﴾ فتثبتوا ﴿ أركسوا فيها ﴾ قلبوا فيها.

سبب النزول: أ - عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فقال بعضهم: نقتلهم، وقال بعضهم: لا، فأنزل الله ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين.. ﴾ الآية فقال صلى الله عليه وسلم:

" إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد "

أخرجه الشيخان.

ب - يروى أن " الحارث بن يزيد " كان شديدا على النبي صلى الله عليه وسلم فجاء مهاجرا وهو يريد الإسلام فلقيه " عياش بن أبي ربيعة " - والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر - فقتله فأنزل الله ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾. الآية.

ج - عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا في غنيمة له فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ﴾ أي ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول لا نقتلهم والحال أنهم منافقون والله نكسهم وردهم إلى الكفر بسبب النفاق والعصيان ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضل الله ﴾ أي أتريدون هداية من أضله الله، والاستفهام للإنكار والتوبيخ في الموضعين والمعنى لا تختلفوا في أمرهم ولا تظنوا فيهم الخير لأن الله حكم بضلالهم ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ﴾ أي من يضلله الله فلن تجد له طريقا إلى الهدى والإيمان ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء ﴾ أي تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستووا أنتم وهم وتصبحوا جميعا كفارا ﴿ فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ أي لا توالوا ولا تصادقوا منهم أحدا حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد في سبيل الله ﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ أي إن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم ﴿ ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾ أي لا تستنصروهم ولا تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الأمور ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ أي إلا الذين ينتهون ويلجأون إلى قوم عاهدوكم فدخلوا فيهم بالحلف فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم ﴿ أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ﴾ وهذا استثناء أيضا من القتل أي وإلا الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم فهم قوم ليسوا معكم ولا عليكم ﴿ ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ أي من لطفه بكم أن كفهم عنكم ولو شاء لقواهم وجرأهم عليكم فقاتلوكم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم طالما سالموكم ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ أي ستجدون قوما آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإيمان ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم قال أبو السعود: هم قوم من " أسد وغطفان " كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا قومهم ﴿ كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ أي كلما دعوا إلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إليه وقلبوا فيه على اسوأ شكل فهم شر من كل عدو شرير ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ﴾ أي فإن لم يجتنبوكم ويستسلموا إليكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ أي فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم ﴿ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾ أي جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة وبرهانا بينا بسبب غدرهم وخيانتهم ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ أي لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنا إلا على وجه الخطأ لأن الإيمان زاجر عن العدوان ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ أي ومن قتل مؤمنا على وجه الخطأ فعليه إعتاق رقبة مؤمنة لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، وعليه كذلك دية مؤداة إلى ورثة المقتول إلا إذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية، وقد أوجب الشارع في القتل الخطأ شيئين: الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة في مال القاتل، والدية وهي مائة من الإبل على العاقلة ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي إن كان المقتول خطأ مؤمنا وقومه كفارا أعداء وهم المحاربون فإنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية لئلا يستعينوا بها على المسلمين ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي وإن كان المقتول خطأ من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله لأجل معاهدتهم ويجب أيضا على القاتل إعتاق رقبة مؤمنة ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ﴾ أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين عوضا عنها شرع تعالى لكم ذلك لأجل التوبة عليكم ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ أي عليما بخلقه حكيما فيما شرع.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٦٦