تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.71-87

المناسبة: لما حذر تعالى من النفاق والمنافقين وأوصى بطاعة الله وطاعة رسوله، أمر هنا بأعظم الطاعات والقربات وهو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته وإحياء دينه، وأمر بالاستعداد والتأهب حذرا من مباغتة الكفار، ثم بين حال المتخلفين عن الجهاد المثبطين للعزائم من المنافقين وحذر المؤمنين من شرهم.

اللغة: ﴿ ثبات ﴾ جمع ثبتة وهي الجماعة أي جماعة بعد جماعة ﴿ بروج ﴾ جمع برج وهو البناء المرتفع والقصر العظيم والمراد به هنا الحصون ﴿ مشيدة ﴾ مرتفعة البناء ﴿ بيت ﴾ دبر الأمر ليلا، والبيات أن يأتي العدو ليلا ومنه قول العرب: أمر بيت بليل ﴿ أذاعوا به ﴾ أشاعوه ونشروه ﴿ يستنبطونه ﴾ يستخرجونه مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته ومنه استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ﴿ حرض ﴾ التحريض: الحث على الشيء ﴿ تنكيلا ﴾ تعذيبا والنكال: العذاب ﴿ كفل ﴾ نصيب وأكثر ما يستعمل الكفل في الشر ﴿ مقيتا ﴾ مقتدرا من أقات على الشيء قدر عليه قال الشاعر:

وذي ضعن كففت النفس عنه

وكنت على مساءته مقيتا

سبب النزول: عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا نبي الله لقد كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة... ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ أي يا معشر المؤمنين احترزوا من عدوكم واستعدوا له ﴿ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ﴾ أي اخرجوا إلى الجهاد جماعات متفرقين، سرية بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف، فخيرهم تعالى في الخروج إلى الجهاد متفرقين ومجتمعين ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ أي ليتثاقلن ويتخلفن عن الجهاد، والمراد بهم المنافقون وجعلوا من المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ أي قتل وهزيمة ﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ﴾ أي قال ذلك المنافق قد تفضل الله علي إذ لم أشهد الحرب معهم فأقتل ضمن من قتلوا ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ أي ولئن أصابكم أيها المؤمنون نصر وظفر وغنيمة ﴿ ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ﴾ أي ليقولن هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة وصداقة يا ليتني كنت معهم في الغزو لأنال حظا وافرا من الغنيمة، وجملة ﴿ كأن لم تكن ﴾ اعتراضية للتنبيه على ضعف إيمانهم، وهذه المودة في ظاهر المنافق لا في اعتقاده فهو يتمنى أن لو كان مع المؤمنين لا من أجل عزة الإسلام بل طلبا للمال وتحصيلا للحطام، ولما ذم تعالى المبطئين عن القتال في سبيل الله رغب المؤمنين فيه فقال ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ أي فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ وهذا وعد منه سبحانه بالأجر العظيم لمن قاتل في سبيل الله سواء غلب أو غلب أي من يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فيستشهد أو يظفر على الأعداء فسوف نعطيه ثوابا جزيلا فهو فائز بإحدى الحسنيين: الشهادة أو الغنيمة كما في الحديث

" تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة "

﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدان ﴾ الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد أي وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل خلاص المستضعفين من إخوانكم الذين صدهم المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين يلقون أنواع الأذى الشديد؟! وقوله ﴿ من الرجال والنسآء والولدان ﴾ بيان للمستضعفين قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وهم الذين كان يدعو لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام الخ كما في الصحيح ﴿ الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هذه القرية ﴾ أي الذين يدعون ربهم لكشف الضر عنهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية وهي مكة إذ أنها كانت موطن الكفر ولذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم منها ﴿ الظالم أهلها ﴾ بالكفر وهم صناديد قريش الذين منعوا المؤمنين من الهجرة ومنعوا من ظهور الإسلام فيها ﴿ واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ أي اجعل لنا من هذا الضيق فرجا ومخرجا وسخر لنا من عندك وليا وناصرا، وقد استجاب الله دعاءهم فجعل لهم خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ولما خرج منها ولى عليهم " عتاب بن أسيد " فأنصف مظلومهم من ظالمهم، ثم شجع تعالى المجاهدين ورغبهم في الجهاد فقال ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴾ أي المؤمنون يقاتلون لهدف سام وغاية نبيلة وهي نصرة دين الله وإعلاء كلمته ابتغاء مرضاته فهو تعالى وليهم وناصرهم ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ أي وأما الكافرون فيقاتلون في سبيل الشيطان الداعي إلى الكفر والطغيان ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ أي قاتلوا يا أولياء الله أنصار واعوان الشيطان فإنكم تغلبونهم، فشتان بين من يقاتل لإعلاء كلمة الله وبين من يقاتل في سبيل الشيطان، فمن قاتل في سبيل الله فهو الذي يغلب لأن الله وليه وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب ولهذا قال ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ أي سعي الشيطان في حد ذاته ضعيف فكيف بالقياس إلى قدرة الله؟! قال الزمخشري: كيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي ألا تعجب يا محمد من قوم طلبوا القتال وهم بمكة فقيل لهم: أمسكوا عن قتال الكفار فلم يحن وقته وأعدوا نفوسكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ أي فلما فرض عليهم قتال المشركين إذا جماعة منهم يخافون ويجبنون ويفزعون من الموت كخشيتهم من عذاب الله أو أشد من ذلك، قال ابن كثير: كان المؤمنون في إبتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة والصبر على أذى المشركين وكانوا يتحرقون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم فلما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم وخاف من مواجهة الناس خوفا شديدا ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ أي وقالوا جزعا من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال؟ ﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ لولا للتحضيض بمعنى هلا أي هلا أخرتنا إلى أجل قريب حتى نموت بآجالنا ولا نقتل فيفرح بنا الأعداء! ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ﴾ أي قل لهم يا محمد إن نعيم الدنيا فان ونعيم الآخرة باق فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن اتقى الله وامتثل أمره ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ أي لا تنقصون من أجور أعمالكم أدنى شيء ولو كان فتيلا وهو الخيط الذي في شق النواة قال في التسهيل: إن الآية في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمروا به كرهوه لا شكا في دينهم ولكن خوفا من الموت، وقيل هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أي في أي مكان وجدتم فلا بد أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة فلا تخشوا القتال خوف الموت ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ أي إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من نصر وغنيمة وشبه ذلك يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره لما علم فينا من الخير ﴿ وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ أي وإن تنلهم سيئة من هزيمة وجوع وشبه ذلك يقولوا هذه بسبب اتباعنا لمحمد ودخولنا في دينه يعنون بشؤم محمد ودينه قال السدي: يقولون هذا بسبب تركنا ديننا واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء كما قال تعالى عن قوم فرعون

صفوة التفاسير · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٦٣