إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء: 27] وإلا فهم يزعمون أن عيسى ابن زنى وأمه زانية ولا يعتقدون أنه رسول الله قال تعالى ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ أي وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من ألقي عليه شبهه قال البيضاوي: روي أن رجلا كان ينافق لعيسى فخرج ليدل عليه فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وهم يظنون أنه عيسى ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ أي وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله، روي أنه لما رفع عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه قالوا: إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاختلفوا فقال بعضهم هو عيسى وقال بعضهم ليس هو عيسى بل هو غيره، فأجمعوا أن شخصا قد قتل واختلفوا من كان ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ أي ما لهم بقتله علم حقيقي ولكنهم يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه ﴿ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ﴾ أي وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ونجاه الله من شرهم فرفعه إلى السماء حيا بجسده وروحه كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾ أي عزيزا في ملكه حكيما في صنعه ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ أي ليس أحد من اليهود والنصارى إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله حين يعاين ملائكة الموت ولكن لا ينفعه إيمانه قال ابن عباس: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى قيل له: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم؟ قال: يلجلج بها لسانه وكذا صح عن مجاهد وعكرمة وابن سيرين ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ أي يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرمنا عليهم أنواعا من الطيبات التي كانت محللة لهم ﴿ وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ﴾ أي وبمنعهم كثيرا من الناس عن الدخول في دين الله قال مجاهد: صدوا أنفسهم وغيرهم عن الحق ﴿ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ﴾ أي تعاطيهم الربا وقد حرمه الله عليهم في التوراة ﴿ وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ أي بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴾ أي وهيأنا لمن كفر من هؤلاء اليهود العذاب المؤلم الموجع ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ أي لكن المتمكنون في العلم منهم والثابتون فيه كعبد الله بن سلام وجماعته ﴿ والمؤمنون ﴾ أي من المهاجرين والأنصار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير أهل الكتاب ﴿ يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ﴾ أي يؤمنون بالكتب والأنبياء ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ أي أمدح المقيمين الصلاة فهو نصب على المدح ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ أي المعطون زكاة أموالهم ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي والمؤمنون بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت ﴿ أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ﴾ أي هؤلاء الموصوفون بالأوصاف الجليلة سنعطيهم ثوابا جزيلا على طاعتهم وهو الخلود في الجنة.
البلاغة: تضمنت الآيات أنواعا من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بين ﴿ تبدوا.. أو تخفوه ﴾ وبين ﴿ نؤمن.. ونكفر ﴾.
2- التعريض والتهكم في ﴿ قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ قالوه على سبيل التهكم والاستهزاء لأنهم لا يؤمنون برسالته.
3- زيادة الحرف لمعنى التأكيد ﴿ فبما نقضهم ﴾ أي فبنقضهم.
4- الاستعارة في ﴿ الراسخون في العلم ﴾ استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن فيه وكذلك الاستعارة في ﴿ قلوبنا غلف ﴾ استعار الغلاف بمعنى الغطاء لعدم الفهم والإدراك أي لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة.
5- الاعتراض في ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ ردا لمزاعمهم الفاسدة.
6- الإلتفات في ﴿ أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ﴾ والأصل سيؤتيهم وتنكير الأجر للتفخيم.