4.58-70
المناسبة: لما ذكر تعالى حال اليهود وما هم عليه من الحسد والعناد والجحود، وذكر ما أعده لهم من العذاب والنكال في الآخرة، أعقبه بتوجيه المؤمنين إلى طريق السعادة بطاعة الله ورسوله وأداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس، ثم ذكر صفات المنافقين التي ينبغي الحذر منها والبعد عنها.
اللغة: ﴿ نعما ﴾ أصلها نعم ما أي نعم الشيء يعظكم به ﴿ تأويلا ﴾ مآلا وعاقبة ﴿ يزعمون ﴾ الزعم: الاعتقاد الظني قال الليث: أهل العربية يقولون: زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق وقال ابن دريد: أكثر ما يقع على الباطل ومنه قولهم " زعموا مطية الكذب " ﴿ توفيقا ﴾ تأليفا والوفاق والوفق ضد المخالفة ﴿ بليغا ﴾ مؤثرا ﴿ شجر ﴾ اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه واختلاط بعضها في بعض ﴿ حرجا ﴾ ضيقا وشكا قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه حرج.
سبب النزول: أ - روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق " عثمان بن طلحة " باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي يده وأخذه منه وفتح بابها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين فلما خرج أمر عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه فقال له عثمان: آذيت وأكرهت ثم جئت تترفق!! فقال لقد أنزل الله في شأنك قرآنا ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.. ﴾ وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم ".
ب - عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له " بشر " كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي: تعال نتحاكم إلى محمد فقال المنافق: بل نتحاكم إلى " كعب بن الأشرف " - وهو الذي سماه الله الطاغوت - فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله لليهودي على المنافق، فلما خرج من عنده لم يرض المنافق وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب فأتيا عمر فقال اليهودي: كان بيني وبين هذا خصومة فتحاكمنا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصمني إليك فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ فقال: نعم فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل عليه سيفه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد - أي مات - وقال: هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزلت الآية { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك.
. } الآية.
التفسير: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ الخطاب عام لجميع المكلفين كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بالذمم سواء كانت حقوق الله أو العباد قال الزمخشري: الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، والمعنى يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أربابها قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات وغيرها، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ أي ويأمركم أن تعدلوا بين الناس في أحكامكم ﴿ إن الله نعما يعظكم به ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾ فيه وعد ووعيد أي سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ أي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بالتمسك بالكتاب والسنة، وأطيعوا الحكام إذا كانوا مسلمين متمسكين بشرع الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي قوله ﴿ منكم ﴾ دليل على أن الحكام الذين تجب طاعتهم يجب ان يكونوا مسلمين حسا ومعنى، لحما ودما، لا أن يكونوا مسلمين صورة وشكلا ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ أي فإن اختلفتم في أمر من الأمور فاحتكموا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي إن كنتم مؤمنين حقا وهو شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق أي فردوه إلى الله والرسول والغرض منه الحث على التمسك بالكتاب والسنة كما يقول القائل: إن كنت ابني فلا تخالفني ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ أي الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله خير لكم وأصلح وأحسن عاقبة ومآلا.. ثم ذكر تعالى صفات المنافقين الذين يدعون الإيمان وقلوبهم خاوية منه فقال ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ﴾ تعجيب من أمر من يدعي الإيمان ثم لا يرضى بحكم الله أي ألا تعجب من صنيع هؤلاء المنافقين الذين يزعمون الإيمان بما أنزل إليك وهو القرآن وما أنزل من قبلك وهو التوراة والإنجيل ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ أي يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت قال ابن عباس هو " كعب بن الأشرف " أحد طغاة اليهود سمي به لإفراطه في الطغيان وعداوته للرسول عليه السلام ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ أي والحال أنهم قد أمروا بالإيمان بالله والكفر بما سواه كقوله