تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.135-147

المناسبة: لما أمر تعالى بالإحسان إلى النساء والعدل في معاملتهن، أمر هنا بالعدل العام في جميع الأحكام، ودعا إلى أداء الشهادة على الوجه الأكمل سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا، وحذر من اتباع الهوى، ثم دعا إلى الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل، ثم أعقب ذلك بذكر أوصاف المنافقين المخزية وما لهم من العذاب والنكال في دركات الجحيم.

اللغة: ﴿ تلووا ﴾ اللي: الدفع يقال لويت فلانا حقه إذا دفعته ومطلته ومنه الحديث

" لي الواجد ظلم "

أي مطل الغني ظلم ﴿ يخوضوا ﴾ الخوض: الاقتحام في الشيء ومنه خوض الماء ﴿ نستحوذ ﴾ الاستحواذ: الاستيلاء والتغلب يقال استحوذ على كذا إذا غلب عليه ومنه قوله تعالى

استحوذ عليهم الشيطان

[المجادلة: 19] ﴿ مذبذبين ﴾ الذبذبة: التحريك والاضطراب يقال ذبذبته فتذبذب والمذبذب المتردد بين أمرين ﴿ الدرك ﴾ بسكون الراء وفتحها بمعنى الطبقة وهي لما تسافل قال ابن عباس: الدرك لأهل النار كالدرج لأهل الجنة إلا أن الدرجات بعضها فوق بعض، والدركات بعضها أسفل من بعض.

التفسير: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ أي يا من آمنتم بالله وصدقتم بكتابه كونوا مجتهدين في إقامة العدل والاستقامة وأتى بصيغة المبالغة في ﴿ قوامين ﴾ حتى لا يكون منهم جور أبدا ﴿ شهدآء لله ﴾ أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله دون تحيز ولا محاباة ﴿ ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ﴾ أي ولو كانت تلك الشهادة على أنفسكم أو على آبائكم أو أقربائكم فلا تمنعنكم القرابة ولا المنفعة عن أداء الشهادة على الوجه الأكمل فإن الحق حاكم على كل إنسان ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا ﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه، أو فقيرا فلا يمتنع من الشهادة عليه ترحما وإشفاقا ﴿ فالله أولى بهما ﴾ أي فالله أولى بالغني والفقير وأعلم بما فيه صلاحهما فراعوا أمر الله فيما أمركم به فإنه أعلم بمصالح العباد منكم ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ أي فلا تتبعوا هوى النفس مخافة أن تعدلوا بين الناس قال ابن كثير: أي لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في شئونكم بل الزموا العدل على كل حال ﴿ وإن تلووا أو تعرضوا ﴾ أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو تعرضوا عن إقامتها رأسا ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فيجازيكم عليه ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ أي اثبتوا على الإيمان ودوموا عليه ﴿ والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ أي آمنوا بالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ أي وبالكتب السماوية التي أنزلها من قبل القرآن قال أبو السعود: المراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية ﴿ ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ أي ومن يكفر بشيء من ذلك فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ﴾ هذه الآية في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على الكفر قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في البر والبحر وقال ابن كثير: يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع فيه ثم عاد إلى الإيمان ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات فإنه لا توبة له بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى ولهذا قال تعالى ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ﴾ أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك ولا ليهديهم طريقا إلى الجنة قال الزمخشري: ليس المعنى انهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ولكنه استبعاد له واستغراب كأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شر حال، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال ﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ﴾ عبر تعالى بلفظ ﴿ بشر ﴾ تهكما بهم أي أخبر يا محمد المنافقين بعذاب النار الأليم ﴿ الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ﴾ أي أولئك هم الذين يوالون الكافرين ويتخذونهم أعوانا وأنصارا لما يتوهمونه فيهم من القوة ويتركون ولاية المؤمنين ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ أي أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والاستفهام إنكاري أي إن الكفار لا عزة لهم فكيف تبتغى منهم! ﴿ فإن العزة لله جميعا ﴾ أي العزة لله ولأوليائه قال ابن كثير والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ أي نزل عليكم في القرآن، والخطاب لمن أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ﴾ أي أنزل عليكم أنه إذا سمعتم القرآن يكفر به الكافرون ويستهزئ به المستهزئون ﴿ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ أي لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ أي إنكم إن قعدتم معهم كنتم مثلهم في الكفر ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴾ أي يجمع الفريقين الكافرين والمنافقين في الآخرة في نار جهنم لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٧٥