وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه
[الأعراف: 131] ﴿ قل كل من عند الله ﴾ أمر صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويلقمهم الحجر ببيان أن الخير والشر بتقدير الله أي قل يا محمد لهؤلاء السفهاء: الحسنة والسيئة والنعمة والنقمة كل ذلك من عند الله خلقا وإيجادا لا خالق سواه فهو وحده النافع الضار وعن إرادته تصدر جميع الكائنات ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ أي ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء كلها بتقدير الله؟ وهو توبيخ لهم على قلة الفهم.. ثم قال تعالى مبينا حقيقة الإيمان ﴿ مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ الخطاب لكل سامع أي ما أصابك يا إنسان من نعمة وإحسان فمن الله تفضلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا، وما أصابك من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما ارتكبت يداك كقوله
ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير
[الشورى: 30].. ثم قال تعالى مخاطبا الرسول ﴿ وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ﴾ أي وأرسلناك يا محمد رسولا للناس أجمعين تبلغهم شرائع الله وحسبك أن يكون الله شاهدا على رسالتك، ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ أي من أطاع أمر الرسول فقد أطاع الله لأنه مبلغ عن الله ﴿ ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ أي ومن أعرض عن طاعتك فما أرسلناك يا محمد حافظا لأعمالهم ومحاسبا لهم عليها إن عليك إلا البلاغ ﴿ ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة كقول القائل " سمعا وطاعة " فإذا خرجوا من عندك دبر جماعة منهم غير الذي تقوله لهم وهو الخلاف والعصيان لأمرك ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ أي يأمر الحفظة بكتابته في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ أي اصفح عنهم وفوض أمرك إلى الله وثق به ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ أي فهو سبحانه ينتقم لك منهم وكفى به ناصرا ومعينا لمن توكل عليه، ثم عاب تعالى المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن في فهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة ففي تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره وبيانه ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾ أي لو كان هذا القرآن مختلقا كما يزعم المشركون والمنافقون لوجدوا فيه تناقضا كبيرا في أخباره ونظمه ومعانيه ولكنه منزه عن ذلك فأخباره صدق، ونظمه بليغ، ومعانيه محكمة، فدل على أنه تنزيل الحكيم الحميد ﴿ وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ أي إذا جاء المنافقين خبر من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة أذاعوا به أي أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ أي لو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم وردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم لعلمه الذين يستخرجونه منهم أي من الرسول وأولي الأمر ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بإرسال الرسول ورحمته بإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان فيما يأمركم به من الفواحش إلا قليلا منكم، ثم أمر الرسول بالجهاد فقال ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ أي قاتل يا محمد لإعلاء كلمة الله ولو وحدك فإنك موعود بالنصر ولا تهتم بتخلف المنافقين عنك ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أي شجعهم على القتال ورغبهم فيه ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ هذا وعد من الله بكفهم و ﴿ عسى ﴾ من الله تفيد التحقيق أي بتحريضك المؤمنين يكف الله شر الكفرة الفجار، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر وبفتح مكة ﴿ والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ﴾ أي هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذابا ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ﴾ أي من يشفع بين الناس شفاعة موافقة للشرع يكن له نصيب من الأجر ﴿ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ﴾ أي ومن يشفع شفاعة مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتا ﴾ أي مقتدرا فيجازي كل أحد بعمله ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ ﴾ أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه بأفضل مما سلم أو ردوا عليه بمثل ما سلم ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ أي يحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ﴾ هذا قسم من الله بجمع الخلائق يوم المعاد أي الله الواحد الذي لا معبود سواه ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة الذي لا شك فيه وسيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد للجزاء والحساب ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ لفظه استفهام ومعناه النفي أي لا أحد أصدق في الحديث والوعد من الله رب العالمين.