فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى
[البقرة: 256] ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ أي ويريد الشيطان بما زين لهم أن يحرفهم عن الحق والهدى ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول ﴾ أي وإذا قيل لأولئك المنافقين تعالوا فتحاكموا إلى كتاب الله وإلى الرسول ليفصل بينكم فيما تنازعتم فيه ﴿ رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾ أي رأيتهم لنفاقهم يعرضون عنك إعراضا ﴿ فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم وبما جنته أيديهم من الكفر والمعاصي أيقدرون أن يدفعوا عنهم العذاب؟ ﴿ ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا ﴾ أي ثم جاءك هؤلاء المنافقون للإعتذار عما اقترفوه من الأوزار يقسمون بالله ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا الصلح والتأليف بين الخصمين وما أردنا رفض حكمك قال تعالى تكذيبا لهم ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ أي هؤلاء المنافقون يكذبون والله يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخديعة وهم يريدون أن يخدعوك بهذا الكلام المعسول ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أي فأعرض عن معاقبتهم للمصلحة ولا تظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجل وحذر ﴿ وعظهم ﴾ أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع الآيات ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ﴾ أي انصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ مؤثر يصل إلى سويداء قلوبهم يكون لهم رادعا ولنفاقهم زاجرا، ثم أخبر تعالى عن بيان وظيفة الرسل فقال ﴿ ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ أي لم نرسل رسولا من الرسل إلا ليطاع بأمر الله تعالى فطاعته طاعة لله ومعصيته معصية لله ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله ﴾ أي لو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم معترفين بخطئهم ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ أي واستغفرت لهم يا محمد أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم ﴿ لوجدوا الله توابا رحيما ﴾ أي لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم ثم بين تعالى طريق الإيمان الصادق فقال ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ اللام لتأكيد القسم أي فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكما بينهم ويرضوا بحكمك فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ أي ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمك وينقادوا انقيادا تاما كاملا لقضائك، من غير معارضة ولا مدافعة ولا منازعة، فحقيقة الإيمان الخضوع والإذعان ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ أي لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على من قبلهم من المشقات وشددنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إسرائيل ﴿ ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ أي ما استجاب ولا انقاد إلا قليل منهم لضعف إيمانهم ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ﴾ أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من طاعة الله وطاعة رسوله لكان خيرا لهم في عاجلهم وآجلهم وأشد تثبيتا لإيمانهم، وأبعد لهم عن الضلال والنفاق ﴿ وإذا لأتيناهم من لدنآ أجرا عظيما ﴾ أي أعطيناهم ثمرة الطاعة ثوابا كثيرا ﴿ ولهديناهم صراطا مستقيما ﴾ ثم ذكر تعالى ثمرة الطاعة لله ورسوله فقال ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ﴾ أي ومن يعمل بما أمره الله به ورسوله ويجتنب ما نهى الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته في دار الخلد مع المقربين ﴿ من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ أي مع أصحاب المنازل العالية في الآخرة وهم الأنبياء الأطهار والصديقون الأبرار وهم أفاضل أصحاب الأنبياء والشهداء الأخيار وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ثم مع بقية عباد الله الصالحين ﴿ وحسن أولئك رفيقا ﴾ أي ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحسن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في شكواه التي قبض فيها يقول ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ فعلمت أنه خير ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ أي ما أعطيه المطيعون من الأجر العظيم إنما هو بمحض فضله تعالى ﴿ وكفى بالله عليما ﴾ أي وكفى به تعالى مجازيا لمن أطاع عالما بمن يستحق الفضل والإحسان.