أولئك يؤتون أجرهم مرتين
[القصص: 54] ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ أي سريع حسابه لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب، قال ابن عباس والحسن:
" نزلت في النجاشي وذلك أنه لما مات نعاه جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة فأنزل الله ﴿ وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ﴾ الآية "
ثم ختم تعالى السورة الكريمة بهذه الوصية الجامعة لسعادة الدارين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا ﴾ أي اصبروا على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد ﴿ وصابروا ﴾ أي غالبوا أعداء الله بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب ﴿ ورابطوا ﴾ أي لازموا ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ أي خافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين.
البلاغة: تضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع ما يلي:
1- الإطناب في قوله ﴿ ربنآ ﴾ حيث كرر خمس مرات والغرض منه المبالغة في التضرع.
2- الطباق في قوله ﴿ السموت والأرض ﴾ و ﴿ اليل والنهار ﴾ و ﴿ قياما وقعودا ﴾ و ﴿ ذكر أو أنثى ﴾.
3- الإيجاز بالحذف ﴿ ما وعدتنا على رسلك ﴾ أي على ألسنة رسلك وكذلك في قوله ﴿ ويتفكرون في خلق السموت والأرض ربنآ ﴾ أي قائلين ربنا.
4- الجناس المغاير في قوله ﴿ آمنوا... فآمنا ﴾ وفي ﴿ عمل عامل ﴾ وفي ﴿ مناديا ينادي ﴾.
5- ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ التنكير للتفخيم ودخلت اللام في خبر إن لزيادة التأكيد.
6- الاستعارة في قوله ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا ﴾ استعير التقلب للضرب في الأرض لطلب المكاسب والله أعلم.
الفوائد: الأولى: إنما خصص التفكر بالخلق للنهي عن التفكر في الخالق ففي الحديث الشريف
" تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون الله قدره "
وذلك لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته قال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله كالناظر في عين الشمس لأنه تعالى ليس كمثله شيء.
الثانية: تكرر النداء بهذا الاسم الجليل ﴿ ربنآ ﴾ خمس مرات كل ذلك على سبيل الاستعطاف وتطلب رحمة الله بندائه بهذا الاسم الشريف الدال على التربية والملك والإصلاح.
الثالثة: سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا،
" أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال " ذريني أتعبد لربي عز وجل " فقلت: والله إني لأحب قربك وأحب هواك، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال يا رسول الله: ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال " ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكر وقد أنزل الله علي في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموت والأرض.... ﴾ الآيات ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " ".