" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء "
، وفي رواية قالوا:
" يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا، قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "
، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام "
وفي " صحيح مسلم " عن عياض بن حمار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال:
" إني خلقت عبادي حنفاء "
(الحديث الخامس): عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" " كل مولود يولد على الفطرة " ، فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين. قال: " وأولاد المشركين " "
وقال الطبراني عن أبي رجاء عن سمرة قال:
" سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال: " هم خدم أهل الجنة "
(الحديث السادس): عن خنساء بنت معاوية، من بني صريم قالت: حدثني عمي قال، قلت:
" يا رسول الله من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة "
فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في " صحيح البخاري "
" أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليه السلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: نعم، وأولاد المشركين "
ومنهم من جزم لهم بالنار، لقوله عليه السلام:
" هم مع آبائهم "
ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرا وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها. وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول الذي حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في " كتاب الاعتقاد ". وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. وقد ذكر الشيخ ابن عبد البر أن أحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
(والجواب) عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال. وقد قال تعالى:
يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود
[القلم: 42] الآية. وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا، كلما أراد السجود خر لقفاه. وفي " الصحيحين " في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة، وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظ من هذا بل هذا أطم وأعظم.