17.53
يأمر تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده فربما أصابه بها، ففي الحديث:
" لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار "
وفي الحديث:
" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا "
، قال حماد: وقال بيده إلى صدره:
" وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر ".
17.54-55
يقول تعالى: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ أيها الناس، أي أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، ﴿ إن يشأ يرحمكم ﴾ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ومآ أرسلناك ﴾ يا محمد ﴿ عليهم وكيلا ﴾ أي إنما أرسلناك نذيرا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله: ﴿ وربك أعلم بمن في السموت والأرض ﴾ أي بمراتبهم في الطاعة والمعصية، ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ ، كما قال تعالى:
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض
[البقرة: 253]، وهذا لا ينافي ما ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" لا تفضلوا بين الأنبياء "
، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب
وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم
[الآية: 7]. وفي الشورى في قوله:
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
[الآية: 13]، ولا خلاف أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع والله الموفق. وقوله تعالى: ﴿ وآتينا داوود زبورا ﴾ تنبيه على فضله وشرفه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فكان يقرؤه قبل أن يفرغ "
يعني القرآن.