17.82
يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضا رحمة، يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك؛ فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى:
قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد
[فصلت: 44]. وقال تعالى:
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون
[التوبة: 124-125]، وقال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿ ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾: أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
17.83-84
يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله تعالى في حالتي السراء والضراء، فإنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته، ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد عنا، وهذا كقوله تعالى:
فلما نجاكم إلى البر أعرضتم
[الإسراء: 67]، وبأنه إذا مسه الشر وهو المصائب والحوادث والنوائب ﴿ كان يئوسا ﴾ أي قنط أن يعود، يحصل له بعد ذلك خير، كقوله تعالى:
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور
[هود: 9-10]، وقوله تعالى: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ قال ابن عباس: على ناحيته، وقال مجاهد: على حدته وطبيعته، وقال قتادة: على نيته، وقال ابن زيد: على دينه، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية - والله أعلم - تهديد المشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى:
وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم
[هود: 121] الآية. ولهذا قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ﴾ أي منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى عليه خافية.