17.100
يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، قل لهم يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس: أي الفقر، أي خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿ وكان الإنسان قتورا ﴾ قال ابن عباس وقتادة. أي بخيلا منوعا، وقال الله تعالى:
أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا
[النساء: 53] أي لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا، ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى:
إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين
[المعارج: 19-22] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه. وقد جاء في " الصحيحين ":
" يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه؟ ".
17.101-104
يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه، فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي " العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم " آيات مفصلات قاله ابن عباس، وقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا والخمس في الأعراف والطمس والحجر، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد: (هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم)، وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري: السنين ونقص الثمرات واحدة؛ وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون،
فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين
[الأعراف: 133] أي ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وما نجعت فيهم؛ فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى - وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - ﴿ إني لأظنك يموسى مسحورا ﴾ قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة ههنا، وهي المعنية في قوله تعالى:
وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يموسى لا تخف
[النمل: 10] إلى قوله
في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين
[النمل: 12]، فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها، وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة: منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا.
ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿ لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض بصآئر ﴾ أي حججا وأدلة على صدق ما جئتك به، ﴿ وإني لأظنك يفرعون مثبورا ﴾ أي هالكا، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: ملعونا، وقال الضحاك ﴿ مثبورا ﴾: أي مغلوبا، والهالك كما قال مجاهد، شمل هذا كله. ويدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وقوله: ﴿ فأراد أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يخليهم منها ويزيلهم عنها ﴿ فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ﴾ ، وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن السورة مكية، نزلت قبل الهجرة وكذلك وقع فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى: