تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.49-52

يقول تعالى مخبرا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: ﴿ أءذا كنا عظاما ورفاتا ﴾ أي ترابا، ﴿ أءنا لمبعوثون خلقا جديدا ﴾ أي يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدما لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر:

يقولون أإنا لمردودون في الحافرة * أإذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة

[النازعات: 10-12]، وقوله تعالى:

وضرب لنا مثلا ونسي خلقه

[يس: 78] الآية، فأمر الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم، فقال: ﴿ قل كونوا حجارة أو حديدا ﴾ إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات، ﴿ أو خلقا مما يكبر في صدوركم ﴾: عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت، وعن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية لو كنتم موتى لأحييتكم ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده وقال مجاهد: ﴿ أو خلقا مما يكبر في صدوركم ﴾ يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم، وقوله تعالى: ﴿ فسيقولون من يعيدنا ﴾: أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا، أو خلقا آخر شديدا ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال:

وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه

[الروم: 27] الآية، وقوله تعالى: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾. قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، والإنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، يقال نغضت سنه: إذا تحركت وارتفعت من منبتها. وقال الزاجر: ونغضت من هرم أسنانها.

وقوله: ﴿ ويقولون متى هو ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك كما قال تعالى:

ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين

[يونس: 48]، وقال تعالى:

يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها

[الشورى: 18]، وقوله: ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾ أي احذروا ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ أي الرب تبارك وتعالى،

إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون

[الروم: 25]: أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى:

ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر

[القمر: 50]،

إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون

[النحل: 40]. وقوله:

فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة

[النازعات: 13-14]: أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ﴾: أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، قال ابن عباس ﴿ فتستجيبون بحمده ﴾: أي بأمره، وقال قتادة: بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم ﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ﴾: أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث:

" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون لا إله إلا الله "

وفي رواية يقولون:

" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "

، وقوله تعالى: ﴿ وتظنون ﴾ أي يوم تقومون من قبوركم، ﴿ إن لبثتم ﴾ أي في الدار الدنيا، ﴿ إلا قليلا ﴾ كقوله تعالى:

كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها

[النازعات: 46]. وقال تعالى:

نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما

[طه: 104]، وقال تعالى:

ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة

[الروم: 55].

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٩٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٩٦٤