-[في الطريق إلى المدينة]-
على الرغم من أن الطريق الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مألوفا للمسافر إلى المدينة ولا معروفاً لقوافل التجارة التي كانت تنتقل من هنا وهناك، فقد كان حادث خيمة "أم معبد" هو المفتاح الأول في أن يضع "سراقة" يده على الخيط الموصل، لكنه لم يكن وصولا سارا ولا هداية نافعة، إذ أن فرسه لم تكد تصل به حيث كان "محمد وأبو بكر" حتى ساخت قوائمها في التراب وتوقفت حركتها، وكأنما أصابها الذهول، أو اعتراها شيء لا تدرى ما هو، فظلت مكانها لا تحاول أن تغادره إلى الأمام أو إلى الوراء ثم بعد غيبوبة طويلة عن الوجود انتزعت قوائمها بعنف انفجر له مكان تلك القوائم بصوت مزعج وحركة مخيفة، ذهل "سراقة " ولم يسعه إلا أن يطلب الأمان من "محمد" فأمَّنه - صلى الله عليه وسلم - على أن يتأخر في الرجوع إلى قريش ريثما تكون الرحلة قد انتهت أو قاربت على الانتهاء حتى لا يستطيعوا أن يدركوه.
وقد طلب "سراقة" كتاباً يثبت وصوله إلى الضّالة المنشودة وحصوله على الغرض المطلوب، رجاء أن يكون شفيعا له في استحقاق الجائزة المرصودة فرغب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر أن يكتب لسراقة هذا الكتاب فكتبه، ومضى (سراقة) إلى قريش ليخبرهم خبره فظنوه يتوهم أو يتخيل إلا أنه بعد أن أطلعهم على الكتاب الذي كتبه (أبو بكر) بيده اطمأنوا على صدقه وأذعنوا لقوله ثم عاتبوه على البطء في العودة الذي حال بينهم وبين إدراكه والحيلولة بينه وبين دخول المدينة، فاعتذر بوعرة الطريق والتواء المسالك، والخوف الذي يكتنف المسافر، ولم يخبرهم عن السبب الذي حمله على التأخير حتى لا يتهموه بمجاملة (مُحَمَّدٍ) أو العمل على مرضاته، لأنه وهب له حياته وكان في استطاعته أن يأخذه بذنبه ويقوده أسيرا.