-[يتيم رعاه الله]-
هل رأيت ذلك اليتيم وقد جلّلت وجهه سحابة من الحزن أو غمامة دكناء من الشعور بالمذلة الانكسار، إن مرح زملاؤه أو لعبوا أو أخذتهم نشوة من الفرح فطربوا أو جرى في وجوههم دم الطفولة البريئة أو ماء الصبا الرقراق، كان هو - مع ذلك كله - كأنه العود الصغير في الزرع، جف عنه الري وانقطع عنه الغذاء فسارع إليه الذبول وتخلت عنه الحياة إلا أنه ظل في مكانه من الحقل يحسبه الناس حياً ويظنونه متهيئاً لمستقبل حافل بالأماني والأحلام وهو هيكل لا يحس.
إن كنت قد رأيته ففاضت عينك بالدموع وثار قلبك من الجزع وملأت الحسرة نفسك وأسِفْتَ على تلك الإنسانية المُعَذَّبة يتخلى عنها المجتمع الظالم، فلا يمسح عنها العبرات ولا يأخذ بيدها إلى سبيل النجاة من المهالك والسلامة من الأذى والبغض للدنيا والنفور من الحياة فذلك هو اليتيم.
وإذا كان للنجاح في هذا الميدان الصاخب والمعترك المائج والميدان الذي يتصارع فيه على البقاء كل
كائن حي وسائل من القوة ووشائج من الحيلة فإن انكسار النفس باليُتم وهوانها على الناس لا يجعل هذا النجاح نجاحاً ولا يضفي عليه الثوب الذي يظهر فيه بمظهر البهجة أو الارتياح أو لون اللذة والاغتباط.
وقد رأينا كثيراً من هؤلاء الذين فقدوا العائل وعُدِموا الراعي كان اليتم هو حجر العثرة في طريقهم أو العقبة الكأداء في سبيلها.
فكيف وقد كان (مُحَمَّدٌ) صلى الله عليه وسلم مع اليتم الذي ابتلاه الله به فقيراً من المال محروما من الغنى على أنه لو لقي مع هذا الشظف الذي كان يقاسيه مجتمعاً مهذباً أو بيئة رحيمة أو إنسانية راقية لكان له منها عزاء أو وجد في جوارها الدواء.