تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-[شبهة ندفعها]-

ربما ظن بعض الناس من تلك السرايا التي كان يرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جماعة المهاجرين، الواحدة تلو الأخرى مكونة من هذا العدد الضئيل لتقطع الطريق على المسافرين من قريش إلى الشام أو الآيبين منها من أجل تجارتهم التي كانت الوسيلة الوحيدة لجلب أرزاقهم ونماء أموالهم، ووفرة أقواتهم:

إن هذه حرب عدوانية لا يصح للداعية أو المصلح الاجتماعي أن يلتجئ إليها، أو يجعلها معتمدة في نشر أفكاره وبث تعاليمه والإقناع بأنها الحق الصرح، والرأي والصواب ...

وقد بالغ قوم في هذه الشبهة فزعموا أن دين محمد صلى الله عليه وسلم انتشر بالسيف وتمكن بالعنف وارتفعت رايته بالقوة، وأخذ بها معتنقوه حين لم يجدوا بداً من الدخول فيه والإيمان به والوقوف إلى جانبه ليردوا عن أنفسهم طغيان القوة وجبروت السلطان وبطش الكثرة الكاثرة، ممن وضعوا أرواحهم لمطامعه وانتصاراً لمبادئه وتأكيداً لطموحه في السيادة والملك.

وهو قولٌ إنما يقول به من يتجرد من المنطق ويجافي الحق ويجانب الصواب، ويناقش مناقشة الأطفال، ويجادل بلغة المجانين، ويزعم أن دعوة محمد كانت تسلطاً أو ملكاً أو رياسة أو قيادة لجماعة من البشر يريد أن يسخرهم لمطامعه العدوانية، وشهواته المسفة وكبريائه المصنوع، كما كان الفراعين والقياصرة والأكاسرة الذين علوا في الأرض بغير الحق، في حين أن دعوته هذه كانت: (فطرة الله التي فطر الناس عليها).

لا تعاند الطبع، ولا تخالف الذوق ولا تعارض التقدم ولا تقود الإنسان إلا إلى الصلاح والفلاح، ولا يمكن للبشرية أن تسعد السعادة التامة دون أن تلتمس منها الرشد، وتستمد منها الهداية، وتجعل منها طب نفوسها وعلاج أمراضها.

من فيض الرسالة · الصفحة ٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٩٤