تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-[يا رسول الله]-

ما تفقدت الإنسانية فضيلة نادرة إلا وجدتها نفحة من أدبك، أو لمحة من خلقك أو ومضة من نورك، أو خطوة من سلوكك، أو لفتة من هديك، أو شعاعا من توجيهك، أو عبرة من تاريخك، أو قبسا كنت تبعث به في الليالي الحالكة، والسبل الملتوية، والمعالم المشتبهة، والساعات الكالحة، والأوقات الحرجة، والمحن الصارخة، والظروف البغيضة، والشدائد الكريهة ...

وسيظل تاريخك خالدا خلود الأبد، باقيا بقاء الدهر، مُدوياً دَويَّ الأذان، مضيئاً كالصبح، يتحدى الفناء، ويصارع الأحداث، ويغالب الأيام، ويكافح الزمن، ويحارب الطغيان، ويخضع الجبابرة، ويقضي على الفساد، ويعلن المساواة، وينادي بالحب، ويتعقب الاستبداد، ويشرع الاشتراكية، ويقصم ظهور المتكبرين في الأرض بغير الحق ... لا لأنك رسول رب السماء، والأرض - الذي يحتمي ببطشه، ويعتز ببأسه، ويقاتل بسيفه، وينطق بلسانه، ويصونه من بغي المتسلطين، وعدوان المفسدين، الذي لا يتغافل عن الملحوظين بعنايته، المشمولين بلطفه، المحفوفين برضوانه، المغمورين برحمته، ولكن لأنك كنت المثل الأعلى الذي ترتقي إليه البشرية عند نموها، وتتطلع له في تقدمها، وتحاول أن تحتذيه، كلما ثاب إليها الرشد، أو عاودها الحلم، ويتعظ فيها العقل، وتحركت أسباب الفقه والمعرفة، وألهمها ربها السداد والتوفيق.

والحديث فيك يا رسول الله حبيب إلى النفس، خفيف على السمع، لذيذ رجعه كأنه الموسيقى للقلوب الظامئة، والأفئدة الملتاعة، والجوانح الحرَّى، والأكباد المحترقة، والأرواح المتشوقة، لا ينتهي له مدى، ولا ينقطع له جرس، ولا ينضب له معين ... ينشده الأديب فيجد في حديثك الحكمة الغالية، والبلاغة الرائعة، والأسلوب القوي، والتصوير الدقيق، والألفاظ الفخمة، والمنطق الحلو، والبيان العذب، والوجدان الصادق، والنمط الذي لا يصل إليه أساطين الكلام، ودهاقين القول، وجهابذة

من فيض الرسالة · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٣