أما المسجد الثاني بعد مسجد (قباء) هذه فقد كان بالمدينة - وهو المسمى بالحرم المدني - ومن حديثه الرائع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل المدينة بين تهليل أهلها وفرحهم كانوا يتنازعون زمام ناقته ليأخذوها إلى حيث ينزل ضيفا عليهم، وكان كلما انتزع أحد زمامها يقول لهم رسول الله: (خلو زمامها فإنها مأمورة) ثم لا يزالون -كذلك - ولا يصرفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذه الكلمة حتى مع أخوال جده (عبد المطلب) - بني النجار - الذين مات أبوه عندهم، وفي حين طمعهم في نزوله كان شديداً لتلك القرابة القريبة بينهم وبينه: فإنه قال لهم كذلك: (خلو زمامها فإنها مأمورة).
وأنهى أمر تلك المأمورة بأن بركت على مقربة من دار (أبي أيوب الأنصاري) ثم قامت فبركت على باب دار (أبي أيوب الأنصاري) ثم قامت وعادت ثانية إلى موضعها الأول:
كان تفسير ذلك أن المكان الأول هو مكان المسجد، والمكان الثاني هو مكان ضيافته - صلى الله عليه وسلم - فإن (أبا أيوب) حمل رحله ونزل به عنده وكان له شرف تلك الضيافة دون أهل المدينة.
وكان من طريف ما يروى عن تلك الضيافة أن دار (أبا أيوب) كانت ذات طابقين اثنين فاختار النبي - صلى الله عليه وسلم - الطابق الأول وألح (أبو أيوب) أن يختار - صلى الله عليه وسلم - الطابق الثاني رفعاً لشأنه وتكريما لأمره، ولم يكف عن إلحاحه في ذلك إلا بعد أن أقنعه الرسول أن زواره كثيرون.
-[في المدينة]-
وصل - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ومعه المسلمون وكلهم خاوي الوفاض، بادي الإنفاض - كما يقول الحريري في المقامات - وما منهم إلا من له في مكة ابن أو أب أو أخ أو زوجة أو أم أو أخت أو إنسان عزيز عليه أن يفارقه، أو يرى نفسه بعيداً عنه، إلى جانب أنهم لا يملكون زاداً يتبلغون به، ولا ماء يشربونه، ولا داراً يأوون إليها.