-[المعذَّبون]-
لما لم تفلح قريش في رد (مُّحَمَّد) - صلى الله عليه وسلم - عن طريقه الذي سلكه ولا عن دعوته التي آلى على نفسه أن يمضي فيها إلى النهاية وقد خاب ظنها في، (أبي طالب)، الذي كانت ترجو أن ينتصر لها ويضرب بسيفها أو يسلم لهم ابن أخيه استعملت معه أقذر الأساليب في الإيلام وأحقر الوسائل في الكيد ولم تكتف بالسخرية منه والاستهزاء به ولا بإلقاء الأوساخ عليه وهو مار في الطريق أو ساجد في الصلاة أو أن يكون ذلك كله من الصبيان والنساء لا من الكبار المرموقين عقبة بن أبي معيط أو أبي جهل وهما من المستهزئين الذين نكل الله بهم وانتقم له منهم وأراه مصارعهم الذليلة ونهايتهم المحزنة.
ستعملت أقذر الأساليب لتصرف عنه أصحابه وتفرق من حوله أتباعه ليقف هو وحده بعد ذلك أشبه بالخليع المعيَّل ولقد نجحت في ذلك كله إلى حد ما وأصبحت مكة وفيها من يعرفه ولا ينكره ويحترمه ولا يحقره لا تفتح أبوابها له ولا تأهل مجالسها به ولا تقبل كفارها بحال من الأحوال أن يعلن فيها محمد دعوته أو يرفع عقيدته أو يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كما أصبح المسلمون هنالك مهددين بالردة أو معرضين لأقسى أنواع الإيلام والأذى، ولقد ارتد فريق من هؤلاء الضعاف الذين أحسوا أنهم معرضون للموت، وهكذا يكون العنت القذر والكيد الوضيع والخصومات الفاجرة.
إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليشك أنه هو والمسلمون معه سيلاقون الهوان ويحتملون الضيم ويمتحنون أشد أنواع الامتحان (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ).