تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما خطر ببال إنسان أن يسأل: ولماذا اختارت العناية الإلهية هذا المخلوق الذي طحنته الحوادث وعركته الخطوب ولوعته صروف الزمن ونشأ تلك النشأة المليئة بالشدائد والأهوال؟

وهو سؤال يعرف الإجابة عليه من يدرك أن الله سبحانه وتعالى لم يشأ إلا أن يشرب رسوله تلك الكأس المترعة من أول يوم لتنطبع نفسه على الرحمة ويتعود قلبه على العطف وتمتزج روحه باللين ويتسع

صدره لما عساه أن يصادفه بعد ذلك من محن وهكذا يتربى الأبطال وينشأ العظماء ويحيا حياة القسوة من يريد أن تنقاد له الحوادث وتخضع له الظروف وتطاوعه الأيام وليالي على أن الأب والأم والناس جميعاً لم تكن إلا أسبابا ظاهرية للحدب والعطف والرعاية والشفقة والصيانة والحفظ والإرشاد والنصح ولو شاء الله لجعل أسبابا غيرها تؤدي عملها، وتقوم بوظائفها.

تباركت آلاؤه لا نحصى الثناء عليه ولا ندرك أسراره في خلقه ولا نفقه من قضائه وقدره إلا ما يكشفه لنا النظر الكليل والفهم المحدود والعقل القاصر، وننتهي بعد هذا المطاف إلى الإيمان العميق والتسليم المطلق، ونعوذ به من شر الوسواس الخناس.

-[كان عصاميا]-

من أدبه الذي كان يؤدب به أمته، وهديه الذي كان يهدي به المسلمين، ألا يكون الرجل عالة على غيره، وألا يقعد أحد وغيره يعمل له، لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وكان ما يتحدث به عن الأنبياء والمرسلين! أنهم كانوا يأكلون من عمل أيديهم لذلك لم يُعرف عنه منذ طفولته أنه استراح إلى صدقة يتصدق بها عليه، أو معونة يبذلها باذل له، وظل حياته كلها قبل البعثة يعمل بالأجرة في رعي الغنم تارة وفي التجارة تارة أخرى ليأكل من كده ويرزق من كدحه حتى لا يكون عنوانا سيئا للأفراد الذين يعيشون على حساب غيرهم أو الجماعات التي تشيعُ الكسل والنوم في الأمم.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٧