تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي كتب التاريخ: أنهم بعد أن أصابهم هذا الحادث بدوار في رؤوسهم، رصدوا جائزة مغرية لمن يجيء بخبر "محمد" - حيا أو ميتا - أو من يدلهم على الطريق الذي سلكه، والجهة التي انتهى إليها، وكانت تلك الجائزة مائة بعير هي نصاب من المال لا يعدم أن يرفع الذي يحرزه من ذات الصدع إلى ذات الرجع، لذلك تقدم "سراقة بن مالك" المدلجي الكناني لهذه المهمة وقال لهم: (أنا ضمين لكم بذلك) وهنالك ركب فرسه إلى حيث سار "محمد" و "أبو بكر" على الرغم من أنهما سلكا طريقا مهجورا لا يعرفه أحد، ولا يمشي فيه إنسان، وكان السبب في ترك المسافرين له، وعدم خطوره لهم ببال أنه غير ممهد، ولا قريب المسافة، وما كان لسراقة أن يعرفه لولا أنه سمع رجلاً يغني بهذا البيت.

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلَّا خيمتى أم معبد

فأخذ يتقصى منه خبر هذين الرفيقين، وماذا عساه يكون لهما من نبأ حمل الشاعر على أن يسجله، وجعل ذلك وغيره من الناس يتناقلونه، والناس إنما يتناقلون الطريف من الحوادث، أو الغريب من الأخبار.

ولا بد أن يكون الفضول قد دفع غير سراقة أن يسأل، لكن سراقة كان أسرع من سواه، وطار إلى القوم ثم ركب إلى حيث يمر بخيمة "أم معبد" وربما سألها - كما سألتها قريش بعد - وعرف أن رجلين أضناهما الجوع وأنهكهما المسير وأعياهما التعب قدما إلى خيمتها يسألانها طعاماً أو شرابا، ولم يكن عندها شيء من الزاد أو الماء، ولم يكن بخيمتها غير شاة هزيلة كان ضرعها من الهزال والجوع لم يدر قطرة واحدة من اللبن منذ زمن بعيد، وأن أحد هذين الرجلين طلب الشاه فقرأ على ضرعها بعض الأدعية، ثم احتلبها فحلبت، فشرب هو وصاحبه، وأعطى بقية الذي حلبه لصاحبة الخيمة ... وارتحل الرجلان وخلفا ورائهما هذا الحديث المروي.

ولم يشك "سراقة" في أن يكون هذان الرجلان (محمداً وأبا بكر) الذي يصاحبه في كل شيء.

من فيض الرسالة · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٧٧