وعلى كل حال فقد كان يهون المسافة التي كان طولها مملا بغيضا أن (أبا بكر) وهو العالم بأنساب العرب وأخبارهم كان يقص من التاريخ، ويروي من حوادث الأيام ما يطرد الهم، ويشيع المرح والأنس في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يحس تعبا ولا يشعر بألم ولا يدركه إعياء ولا فتور.
ومع ما كانت عليه تلك الرحلة من المشقة التي ظل محمد - صلى الله عليه وسلم - يعانيها هو وأبو بكر فإنها كانت مشقة حبيبة إلى نفسهما سهلة الوقع عليهما لإحساسهما العميق بأن المدينة سوف تكون الدار الطيبة والبيئة الصالحة والتربة الخصبة والوطن العزيز الذي تجد الدعوة فيه من الازدهار والكمال والثبات والاستقرار، ما كانت تتوق إليه فلا تجده وتتطلع إليه فلا تكاد تقرب منه.
وقد كان من العوامل المهمة في الاستهانة بالمتاعب عامل آخر لا يصح إغفاله في تاريخ الهجرة والحديث عنها وهو أن (محمداً) - صلى الله عليه وسلم - في كل خطوة يخطوها، وفي كل مكان يمر به كانت تتفتح له قلوب الناس وتترامى بين يديه أفئدتهم وتحفه من كل جانب ضمائر تتأجج بنار الشوق، وتشتعل بلهيب الحب، وتخف من مكانها لاستقباله والحفاوة به وتطلب منه أن يعرج عليها وينزل بين ظهرانيها.
ولم يكد يصل إلى "قباء" وبينها وبين المدينة ثلاثة أميال - حتى وجد أهلها صفوفا على الطريق يتشوقون إليه. ويتلهفون عليه، ويرجون رجاء حارا أن ينزل في رحابهم، ويقيم بينهم، وكان ذلك في الضحى والشمس تلفح بنارها الوجوه، ولا يقوى على استقبالها والصبر على لذعها القوي، إلا من يتناسى أذاها وألمها
في سبيل حاجته الملحة وهدفه النبيل وغرضه الأسمى، وكان على رأس أهل "قباء" أشرافهم، ورؤسائهم من بني "عمرو بن عوف".