ومن هذه القصة يظهر لنا أن الرجل الذي يتمكن الشر من نفسه ويغلب الانحراف على طبعه لا يلبث إذا خالطت الهداية قلبه أن يكون صلبا في الحق مستميتا فيه مدافعا عنه لا يتزحزح ولا يشك ولا يرتاب، وفي حرص وحشي على أن يرضى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وشغله نفسه زمنا طويلا بهذا الرضا دلالة على أن عقيدته راسخة وإيمانه ثابت، وربما كان أول المؤمنين بأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال له غيب وجهك عني، لم يقلها كرها لأن يراه في صفوف المسلمين يعلن إيمانه الذي ملأ قلبه وأخذ عليه هواجسه وأحلامه، ولكن قالها تعبيرا عن كامل اللوعة المكبوتة في نفسه على عمه الذي كان يحبه ويقف بجانبه ويساعده في التمكين لكلمة السماء، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وكان قتله خسارة وما بعدها خسارة للإسلام والمسلمين من غير شك!!
-[بين أُحُدٍ والأحزاب]-
على الرغم من صمود النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية معركة أحد، والمسلمون قد انفضوا من حوله بعد شعورهم بأن مقاومتهم للعدو ووقوفهم في وجهه ضرب من العبث ولون من ألوان الانتحار حتى لقد كان صموده هو نفسه يكون عبثا وانتحارا [*] لأنه بعد انفضاض المسلمين في الميدان كان يعرض
[*] كلام تقشعر منه الأبدان ولا يليق بسيد الأنبياء وإمام الشجعان - صلى الله عليه وسلم - فقد - صلى الله عليه وسلم - كان مأمورا بالثبات حتى ولو انفض كل الناس من حوله قال تعالى ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ والله أعلم.