ولعمر فضل التحرر والانطلاق وعدم الجمود في الشريعة الإسلامية لأنه كان - حتى والوحي ينزل - إذا لم ينقدح في ذهنه الحكم أو لم تظهر فيه حكمة التشريع يسأل ويستوضح ولا يرضى أن يأخذه قضية مسلمة بل كان هو بنفسه مدرسة للمسلمين تعلموا منها حرية الرأي، والعلة تدور مع الحكم وجودا وعدما وأمثال ذلك من القوانين التي تدل على أن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان.
-[والله يا عمي ... !!]-
كان لزاما على (محمد) - صلى الله عليه وسلم - وقد أمره ربه بإعلان الدعوة ونشر الرسالة، وبخاصة بعد أن انضم إلى معسكره بعض الكبار أمثال (أبي بكر) (وعمر) (وعثمان) (وحمزة بن عبد المطلب) وهم قوم لهم منازلهم المرموقة ومكانتهم المحترمة، وبعد أن صار أبو جهل وأضرابه من المعاندين يشتغلون ليل نهار في مناوأته والكيد له والتنفير منه والتشويه لدعوته لذلك أخذ يبرز في المحافل ويذهب إلى الأسواق فيستجيب له من يستجيب.
وكانت تلك الحال أشبه بحرب باردة قامت بينه وبين قريش فصارت تؤمن إيماناً لا يخامره شيء من الريب أن مجد زعمائها مقضي عليه وجاههم في سبيله إلى الزوال وسلطانهم آخذ في التقلص وجبروتهم ستحطمه الأيام المقبلة لأن الدين الجديد الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن ملكا سيقوم على أنقاض ملكهم ولا سلطانا سينازعهم السيادة - إلا أنه يذيب الفوارق، ويمزج بين الطبقات وينفر من التسلط ولا يحترم الذين يقوم مجدهم على النفوذ الكاذب والثروة المغتصبة والغنى من غير الطريق المشروع ولا يملك للأنانية الجوفاء ولا الأثرة البغيضة.