تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-[غزوة بدر الكبرى]-

يرى المؤرخون من تصدوا للكتابة عن حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومواقفه التي وقفتها في وجه الشرك أن هذه الغزوة كانت حدا فاصلا بين عهدين مختلفين كل الاختلاف، عهد الاستكانة والرضا والمصافحة والإغضاء والالتجاء إلى أسلوب السياسة، وعهد القوة الرادعة والبطش المزعج والبأس المخيف، والموقف الذي يحس صاحبه معه بالتمكن والاعتزاز والثقة، فإن المسلمين لم تنته بهم الجولة - ولم يفرغوا من تفريق شمل الكافرين الذين لاذوا أمامهم بالفرار والهلع والخوف والجزع حتى أخذت نشوة الانتصار تدب في مفاصلهم ثم صارت بعد ذلك تشعرهم بأن هذا الرصيد من الإيمان الذي يملأ جوانحهم لا يمكن أن تقف له قوى الغدر ولا جيوش البغي ولا محافل الكفر ولا وسائل الدمار والموت، وأن هذه الحرارة التي تصنعها العقيدة لا تستطيع حرارة البخار ولا الكهرباء أن تتغلب عليها، أو تسقط حسابها من الاعتبار، فلقد كان عدد المقاتلين الذين خرجوا لملاقاة أبي سفيان أولاً، ولملاقاة هذا الجيش الذي دفعت به مكة كلها ثانياً لا يتجاوز ثلث خصومهم، ومع ذلك النصر إلى جانبهم والفوز من نصيبهم، وقضى الله بهذه الجولة أن يملأ الخوف نفوس الصناديد الأبطال ممن أرادوا أن يخفت صوت الحق، وتنتكس راية القرآن، ومحمد ينفض يده من كل بارقة أمل تحدثه نفسه بها.

ونحن نعلم أن أسلوب حرب العصابات التي آلت على نفسها أن يعكر الصفو على أهل مكة

من فيض الرسالة · الصفحة ١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٠٨