وإن الذي يقرأ تاريخه الرائع ومواقفه الخالدة وثباته العجيب وبطولته الفذة وجهاده الذي كان مثلاً للمجاهدين يؤمن أن ذلك لا يكون إلا لإنسان عركته الحوادث هذا العراك وامتحنته الخطوب هذا الامتحان، وهكذا كان العصاميون من عظماء الرجال وفي جزيرة العرب كانت موارد الرزق محدودة وأسباب العيش غير متنوعة وأبواب الكسب لا تكاد تتجاوز رعي الغنم والإبل وشيئا من الزراعة في بعض الجهات، وكان ذلك باعثا لقصار الهمم والعزائم أن يحترفوا قطع الطريق أو اغتصاب ما لا يملكونه من متاع سواهم، ولهذا ظهرت بينهم جماعات السلب والنهب أمثال عروة بن الورد، والشنفرى وغيرهما ممن يسمون في الاصطلاح بالصعاليك فكان هؤلاء أبغض الناس إليه، بل كان لا يقل في بغضه لهم وكراهيته إياهم عن بغضه للذين يستجدون إحسان غيرهم.
وعلى رغم كون دينه حث على التصدق والبذل وزكاة الأموال والزروع، كان يرى أن هذا الذي يؤخذ من أموال الأغنياء على هذا الأسلوب قذر يتعفف عنه المسلم، ويترفع عن أخذه كل ذي همة عالية، وخير للرجل أن يأخذ حبله إلى الجبل فيحتطب فيبيع حتى لا يسأل الناس أعطوه أم منعوه، ثم يقول:
"يحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"
وَيَقُولُ "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه"
ليعلم المسلم أن الذي يعيش لشهوته لا يساوي في نظر هذا الدين أحقر الأشياء.
-[اعتكافه وخلوته]-
في كتب السيرة كلها شبه إجماع على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل مبعثه ميالاً إلى الخلوة تواقاً إلى العزلة شديد الشغف بالانقطاع عن الناس لا يحب الصخب ولا يألف الضوضاء ولا يميل إلى الاندماج في مجتمعات اللهو، ولا محافل الهذر فلا تكامل وعيه ونضج عقله ودق تفكيره وقوي شعوره بالكون وخالقه والحياة ونظامها والعالم وما فيه من حيوان وإنسان، وكان قد عرف شيئاً من ملة أبيه (إِبْرَاهِيمَ) - عليه السلام - صارت العبادة همة والانقطاع إلى الله - جل جلاله - شغله الشاغل.