-[الإسراء والمعراج]-
كان لتلك المعاملة القاسية التي عاملت بها قريش النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة أن ضاق ذرعا بمكة وأهلها قطع الرجاء من دعوتهم ونفض يديه من جوارهم وتطلع بفؤاده المكدود ونفسه الكئيبة وقلبه الحزين إلى جو آخر يتنفس فيه الهواء النقي وينظر فيه إلى وجوه باسمة مشرقة لا تكفهر له ولا تعبس لرؤيته وظل على ذلك زمنا طويلا يترقب الفرج وينتظر طلائع رحمة الله، وقد كانت ذلك - مضافا إليه موت (خديجة) وموت (أبي طالب) وتلك المقاطعة الظالمة التي حاصرته بها قريش هو والمسلمين معه في شعب بني هاشم ثلاث سنوات - سبباً في إجهاد عنيف ونصب قاسٍ هدّ ركنه وفتور عظيم أصابه وتعب ليس قبله ولا بعده لحق به، والأجسام إذا لم تخلد إلى السكون بعد الكدح والراحة بعد العناء والنوم بعد الصحو الطويل والسهر الدائم كلت وملت!
وقد جعل - سبحانه وتعالى - تلك الرحلة الممتعة، ترضية لخاطره - صلى الله عليه وسلم - ومتعة لنفسه ولذة لروحه وإظهاراً لمكانته عنده ومنزلته لديه حتى لا يتسرب إليه الشك في أنه أفضل خلقه وأكرم أنبيائه ورسله وهو عمل أشبه بما يصنعه الملك من ملوك الدنيا إذا ما وفد عليه زائر عزيز فإنه يطوف به على قصوره الفخمة وضياعه الواسعة حيث يستقبله الناس هنالك بما يدل على اغتباطهم به وفرحهم بقدومه وإذا كانت الرحلات إلى جانب ما يكون فيها من المتعة للنفس والترويح عن الخاطر تزيد في المعرفة وتطبق العلم على العمل فقد كان ما رآه - صلى الله عليه وسلم - من مظاهر الكون، واختلاف الألوان والأشكال والجزاء على أعمال الخير أو الشر وعقبى الظالم أو المتكبر والمنحرف أو المقترف تأكيداً للحقائق وتصويراً للمعاناه.