تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-[اليهود في الطريق]-

كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعاني شدة في طريق دعوته إلى الله وإبلاغ رسالته إلى الناس أفدح ولا أعظم من تلك الشدة التي كان يعانيها من المنافقين واليهود، غير أن حال المنافقين كان شائكاً، لأنهم يعلنون الإسلام وليس من حقه أن يدخل إلى قلوبهم، ولا أن يهتك سرائرهم، ولا أن يعاملهم إلا بظاهر ما يبدو منهم، ولكن اليهود كانوا يزعمون في أنفسهم أنهم أصحاب دعوة سماوية أخرى لا تقل في تقديرها واحترامها عن دعوة "محمد"

وهم لهذا يجب أن يجعلوه مطية طيعة لأهوائهم وأغراضهم، أو يزيلوه عن الطريق ليكونوا وحدهم في الميدان، لا ترتفع عليهم صيحة، ولا يزاحمون منافس.

وسياستهم التي يسلكونها - في كل زمان ومكان - تقوم على الكيد المشوب بالذلة والخنوع المختلط بالضعف والتواضع الذي يصل إلى حد الهوان في سبيل الوصول إلى أغراضهم فإن أمكنتهم الفرصة من عدوهم أخذوه بالعنف وعاملوه بالقسوة وأرغموه على أن يركب حد السيف، يقول الدكتور هيكل:

"فقد كان بيثرب يومئذ المسلمون من مهاجرين وأنصار وكان بها المشركون من سائر الأوس والخزرج

وكان بين هؤلاء وأولئك ما علمت ثم كان بها اليهود يقيم منهم "بنو قينقاع" داخلها ويُقيم "بنو قريظة" في "فدك" و "بنو النضير" على مقربة منها، وإلى هؤلاء يهود خيبر، أما المهاجرون والأنصار فقد ألّف الدين الجديد بينهم بأوثق رباط، وإن بقيت في نفس "محمد - صلى الله عليه وسلم -" بعض المخاوف أن تثور البغضاء القديمة بينهم يوماً ما مما جعله يفكر في وسيلة للقضاء على كل شبهة من هذا النوع، تفكيراً كان له أثره بعد، وأما المشركون من سائر الأوس والخزرج فقد ألفوا أنفسهم بين المسلمين واليهود ضعافاً نهكتهم الحروب الماضية فاتجه همهم للوقيعة بين هؤلاء وأولئك.

من فيض الرسالة · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٩٩