-[بعد الحديبية]-
كان صلح الحديبية بمثابة علامة النصر في الطريق أمام محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه بهذا الصلح قد صار بمأمن من المؤامرات والخيانات والغدر والتحرش به من هنا وهنالك، لأن عداوته كانت متمثلة في معسكرين قويين يخشى بأسهما ويخاف ما يعدانه له من كيد وخصومة، هذان المعسكران هما قريش واليهود ...
أما قريش فإنها أصبحت قريرة العين مطمئنة كل الاطمئنان بهذه المعاهدة التي حقنت دماءها، وأبقت على شبابها وكبار القادة منها، وجعلتها آمنة على تجارتها التي هي شريان حياتها.
وأما اليهود فإننا نعلم كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذهم بالشدة وعاملهم بالعنف وأشعرهم بالذلة التي تليق بهم والتي تخالط دمائهم، وتكون الجزء المهم في حقيقتهم، ولم تكن لهم قوة يعتمدون عليها بعد ذلك كله إلا في خيبر والفلول الأخرى التي فرت إليها واختارت البقاء إلى جوارها، وقد مر بنا الحديث عنهم أيضاً تحت عنوان (اليهود في الطريق) ولسنا بحاجة إلى تكرار ذلك مرة أخرى ... إلا أن لكل شيء إذا ما تم نقصانا - كما يقول الشاعر الأندلسي - فإن
المنافقين لا يزالون على المسرح يمثلون دورهم الحقير في خذلان الدعوة وإشاعة عوامل الهزيمة.
ويقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي:
"فلما عقد ذلك الصلح بين المسلمين وقريش هدأ المنافقون لأن قريشاً انصرفت عن الحرب إلى السلم وأخذت تشتغل بأمور تجارتها التي عطلتها الحرب لتستعيد ما فقدته من أموال وتخرج من الضائقة المالية الشديدة التي وقعت فيها باستمرار صانع الحرب تلك السنين الخمس وانقطاع تجارتها