وليست هذه المعاني بالأمر اليسير في نظر مُشركي مكة الذين كانوا يشغلون أنفسهم بمحمد والمسلمين معه، فقد كان الصراع في أفئدتهم على أشُدّه من جراء هذا الزحف الذي يجيء به الغد المنتظر، على الرغم من علمهم الذي لا شك فيه أن عناصر أخرى تشاركهم عداوة هذا الدين الذي يدعو به محمد وأصحابه، لكنّ قريشاً كانت على يقين أن هذه العناصر لا تلبث أن تصير هباءً إذا هبّت عليها الريح العاصف من غضْبة أولئك الذين عاهدوا محمداً على أن يقفوا بجانبه ويدافعوا عنه، ويَردّوا كيد المشركين إلى وجوههم إن حدثتهم نفوسهم أن ينالوا منه، أو يُلحقوا به شيئاً من الأذى والهوان.
-[عنت اليهود]-
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طَمأن اليهود على مستقبلهم وحريتهم وكرامتهم، وأفهمهم أنه سوف لا يتعرض لعقائدهم وعباداتهم، وأنهم سيكونون معه في تقديرهم واحترام مُلكيّتهم وحق تنَقّلِهِم
وتصرفاتهم في أموالهم وطقوسهم كالمسلمين، والمعاهدة التي وقَّعها وإياهم تضمن لهم هذه المعاني كلها لا يَبخس فيها ولا ينحرف عنها ولا تُحدثه نفسه بنقضها أو الخروج عليها.
لكن البوادر التي كانت تبدو في المناسبة تلو المناسبة تدل دلالة لا تقبل الريب والشك على أن نفوسهم تغلي بالحقد، وجوانحهم تتأجج بالكراهية، وأنهم يستعدّون لجولة مفضوحة (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران: 118).