ويحاول أن يطمئن إلى أن ربه أكرم من أن يخذله أو يخزيه مع ما هو عليه من خلال وما هو فيه من طاعة.
والبطولة التي تبدت في موقف خديجة - مع أن الزوجة أجدر بالجزع وأحق من غيرها بالفزع - تدل على أن العزيمة القوية والإيمان الصادق والعقل الراجح والرأي السديد وهي بطولة تجعلنا لا نشك في أن المرأة الكاملة للرجل بلسم جراحه، وراحة نفسه، وظل له إذ اشتدت عليه حرارة الشمس، أو تضاعف عليه لفح الحياة، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).
فإن العاقل يفهم معنى قوله تعالى: (لتسكنوا إليها) تمام الفهم، من مثل هذا الموقف الذي وقفته خديجة منه - صلى الله عليه وسلم - والرجل تصيبه المتاعب وتعتريه الهموم وتتراكم عليه المصائب فتضيق الدنيا في وجهه وتلتوي المسالك أمامه، فلا يشع له بصيص النور إلا في وجه شريكة حياته التي تمسح دموعه وتداوي آلامه وتحمل همه وتجفف مصابه، بما تكنه له من ود، وتضمره من إخلاص، وترجوه من خير، وتحلم به من أمان وآمال.
-[ما ودعك ربك!!]-
على الرغم من الخوف الذي اعتراه - صلى الله عليه وسلم - والفزع الذي أصابه والهزة العنيفة التي كادت تقصف بقواه، لولا ما كان من أمر (وَرَقَة) وعزاء (خديجة) فإن شعوره بالشوق الحار إلى معاودة الوحي إياه وملاقاة جبريل له كانت تقض عليه مضجعه، وتملك عليه تفكيره كله، فكان دائم الرغبة إلى تكرار ما حدث ورجوع ما كان وبلغ من حنينه إلى الملك وحبه له وظمئه إلى مشاهدته إن كان يذرع الأرض بقدميه صاعدا إلى حراء أو هابطا منه متلفتا هاهنا، علّ صوتاً يسمعه، أو نداء يقرع أذنه أو بشيرا، يقابله أو هاتفاً يناجيه أو نوراً يسطع عليه ليطمئن خاطره، ويذهب قلقه وتتبدد وساوسه وينقض بأسه أو تنقشع