"سَمَتْ روح المسلمين المعنوية بتحريض الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزول القرآن يُبَشِّرهُم بِأنَّ الملائكة تشد أزْرَهُم فاندفعوا يُقاتِلون وقد جعلوا هَمَّهُم سادة قُرَيْش يريدون استئصال شأفتهم جزاء ما عَذَّبوهم وأخرجوهم ولأنَّهُم رأس الكُفر لو قَتَلوا الضِّعفَ غيرهم ولَوجَدَ الإسلام طريق الدعوة مُمَهَّداً لا تقف في طريقها مطامع الزُعَماء وكبرياء الرؤساء.
وما لبثت قُرَيْش حينَ رأت كثيراً من ساداتهما يسقطون قتلى بأيدي المسلمين أن ولت الأدبار لا تلوي على شيء.
والمسلمون يَضرِبون في أعناقها وأدبارها ويأسرون من رجالها من لم يسعفه حسن فراره بالنجاة، وبلغ عدد القتلى من قُرَيْش سبعين قتيلا فيهم مُعظَم سادة قُرَيْش وعلى رأسهم أبو جهل، كما استؤسر سبعون ...
وهكذا كانت هزيمة قُرَيْش تامّة ساحقة.
أمّا المسلمون فقد اندفعت منهم فِرقَة تُطارِد الفّارين، وقامت أُخرى بجمع الغنائِم، والتَفَّت الثالثة بالعريش تحمي النبي - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يَرتَد إليه العدو".
ومن الحديث في (بدر) أو عن بدر لا نسمع إلّا بطولة نادرة امتلأت بها نفوس المسلمين الذين طوحوا بالكفر وأَذَلّوا أهله وأطاحوا بِدَولَتِه.
-[طرف كانت في بدر]-
كان في صفوف المشركين في بدر (أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ) وقد وقع في أيدي المسلمين أسيراً هو وابنه وأراد (عبد الرحمن بن عوف)، أن يحميهما من عدوان من عدوا من تُحَدِّثهُ نفسه بالنيل منهما أو التطاول عليهما وكان (بلال) رقيقاً مملوكاً لِأُمَيَّة ولقي منه من صنوف العنت وألوان التعذيب بسبب اعتناقه الإسلام ودخوله في دين (مُحَمَّدٍ) ما لم يَلْقَهُ أحد في سبيل عقيدة اعتنقها، أو مبدأ التزمه، أو شريعة انضوى تحت رايتها، وكم تَرَكَه في الرَّمضاء المُحرِقَة مُتَجَرِّداً من ثيابه لتلفحه نارها ويؤذيه لهيبها، ثُمَّ لا يكتفي بذلك دونَ أن يُلقي بالحجر