تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان موتها عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فاجعة كبرى، ومصيبة عظمي شعر بعده أن الأيام تتنكر له والمحن تصطلح عليه والمصائب تواجهه والحوادث تحاربه، وزاده من الألم في نفسه أن لم يمض على موتها هذا ثلاثة أيام حتى مات عمه أبو طالب، كذلك، فكان هذا العام عام الحزن - كما سماه المسلمون وسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأي حزن وراء هذا وأية فاجعة بعد تلك الفاجعة، ولذلك روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: (اجتمعت على هذه الأمة في هذه الأيام مصيبتان لا أدري أنا بأيهما أشد جزعا).

ونحن نعلم أن قريشاً بعد موت أبي طالب، ابتدأت تعامله معاملة أخرى، وتقف منه موقف جديداً وتحشد كل ما تملك من وسائل وما تستطيع من حيلة لفشل حركته وتعطل سيره وتعوق ركبه، وإن

كانت هذه الشدائد التي كان يلاقيها والمحن التي كان يصادفها دفعت عجلة الزمن وحركت عقرب الساعة ولفتت أذهان كثيرين إلى الدخول في الإسلام والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهكذا الشر يأتي بالخير والضيق يكون وراءه الفرج القريب.

وعلى الرغم من أن قريشاً انتهزت فرصة موت عمه الذي كان درعه وسيفه ومجنَّه وترسه وبرهنت بهذا على أنها تحررت من الذوق وجف معين الحياء فيها وأصبحت تفكر في الحد من نشاطه والقطع لأوصاله والقضاء على تحركه وانتقاله وكان هو مع هذا كئيب النفس يحاول جهده كله أن يعيش في ذلك الجو من الحزن الذي خلفه له موت خديجة وأبي طالب لا لأنه يئس من الدعوة وقطع رجاءه في نصر ربه له، ولكن لأنه وهو يستجيب لبشريته كان يتألم كما يتألم الناس ولذلك لم يكن أحد يراه على الحال التي كان عليها من التسلل إلى المجتمعات والتسرب للمحافل وكان دخول من يدخل في الإسلام أشبه بالعمل الآلي والتجاوب العاطفي لم يكن لأحد فيه جهد ولا فضل.

من فيض الرسالة · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٦١