تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأنما أراد الله جلت قدرته - أن يبرهن للنبي - صلى الله عليه وسلم - من طرف خفي أن هذا الصنيع الذي تصنعه قريش لا يمكن بحال من الأحوال أن يرد قدراً أو يدفع إرادة أو يحول دون تبليغ الرسالة.

وبينما الرسول الكريم من شدة ما ناله من الحزن وكثرة ما أصابه من عناء التفكير مستغرق في ذهوله سابح في خياله رأى نفسه متكئا إلى جذع شجرة يقرأ القرآن، والجن حوله يستمعون إليه في صمت وينصتون إليه في إعجاب ويتأملون قوله ويتدبرون هديه، وكأنما هو كان ضالتهم المنشودة وحاجتهم التي ظلوا يبحثون عنها من زمن طويل، وقد سجل القرآن قصتهم هذه وتغلغل الهدى في نفوسهم: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5).

(سورة الجن الآيات من 3 - 5).

وكان في الحديث الذي صدر منهم والتفكير الذي بدأ عليهم مسحة من العقل والمنطق، تدل على أنهم يجيدون التفكير إلى حد بعيد وبخاصة في مثل قولهم: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14).

(سورة الجن الآيات من 12 - 14).

وكان هذا الحدث في نظر العرب جميعاً من الذهول والغرابة بمثابة بعيدة حملتهم على أن يشتغلوا بالتأمل والتفكير في أشياء كانت لا تخطر عليهم ببال ولا تمر لهم بذهن وكان في مقدمة ذلك فهمهم للجن وتصورهم لهم وحديثهم عن إيمانهم بالله وبحثهم عن المعرفة وجريهم وراءها وكانوا إلى هذه اللحظة يظنون في ذلك الظنون.

من فيض الرسالة · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٦٢