وخديجة لم تكن له زوجة ككل امرأة تكون تحت رجل لا همَّ لها إلا أن تتمتع به وتلوذ بكنفه وتحتمي بظله وتترامى بين أحضانه وتطلب فيه دائما أبدا الغنى والمال والصحة والعافية والمركز والجاه وأن يكون قلبه في كل آن متلهفا عليها إن غابت أو حضرت، فإن رأت شيئاً من ذلك كله قد تحول أو نقص أو رأت أنه لم يعد فيه ما يأخذ انتباهها، ويملك إعجابها ويشغل بالها وتفكيرها فترت شواغلها به وبردت حرارتها له، وماتت أحاسيسها التي كانت متأججة وجعلته من تحفها القديمة أو ثيابها البالية لأنه لم يعد فتى أحلامها الذي تحن إليه وتنجذب نحوه، لم تكن (خديجة)، تلك الزوجة بل كانت أمه وأخته وأهله وعشيرته وأحب الناس إليه، وكان هو عندها كل شيء تطلبه وكل حلم يدور بوهمها ويخطر ببالها ويسبح بخيالها تؤمن إيماناً جازما بأنه يكمل نقصها ويحمل نفسها ويرضي تطلعها ويشفي أوجاعها ويملأ دنياها باليُمن والبركة والسعادة والسرور، لذلك كان عندها نور عينيها ونبض فؤادها وحياتها الدائبة وأملها الذي لا ينتهي فمالها في يده وثقتها في نفسه وقومها من حوله وأهلها وأطوع له من ظله وكأنه بها وحدها في ألف ساعد وساعد وألف نصير ونصير وكلما غدا أو أراح كان ظلها يتابعه بالأُنس والبهجة والأمل والحب والصحة والعافية والشجاعة والإقدام والظفر والغنم والفراغ الذي كانت تملؤه من قلبه لم يكن حل من قبل وهي مع هذا وهذا أم أولاده ما عدا إبراهيم، الذي كان بعد ذلك من مارية القبطية.
من فيض الرسالة · الصفحة ٦٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
من فيض الرسالةص ٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي