فعلمت أنه نبي، وقد علمت أنه مبعوث ولم أظن أنه فيكم، وإن كان ما كلمتني به حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتكلفت ذلك ...
قال أبو سفيان فعلَتْ أصوات الذين عنده وكثر لغطهم، فلا أدري ما قالوه، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر، ولما سار قيصر إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له ثم أمر بأبوابها أن تغلق، ثم قال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها مغلقة، فلما رأى قيصر نفرتهم قال ردوهم عليَّ فقال لهم: إني قلت مقالتي لأختبر بها شدتكم على دينكم، فسجدوا له ورضوا عنه، فغلبه حب ملكه على الإسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته، كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهذه وثيقة تاريخية لها تقديرها واحترامها في تاريخ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها تنطوي في حوارها وجدلها السيرة العطرة التي يعتز بها المسلمون، إذا ذكرت النبوات، وتحدث الناس عن الرسالات، فلقد كانت الأسئلة التي وجهها قيصر في صميم الدعوة والدعاة إلى درجة أنها تصلح لأن تكون دستوراً، أو بمعنى أصح ميزاناً توزن به أعمال الذين يتصدون لقيادة الجماهير، وتوجيه الإنسانية، وإنقاذ المتورطين في سلوكهم، أو المتخبطين في سيرهم، ومن هذا الدستور أو الميزان نعرف إن كان الداعي من هؤلاء الذين ينشدون المجد، ويطلبون الملك، ويبغون الريادة، أم أنه من أولئك الذين يحملون المصابيح، ويجعلون من أنفسهم زيتاً لها ليضيئوا للبشرية سبيل الخير وطريق البر، ويأخذوا بأيديها إلى حيث يكون النجاح والفلاح، دون أن يترقبوا على ذلك أجراً إلا رحمة الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض.