وطالت المحادثات على النحو الذي قدمناه ففكر محمد - صلى الله عليه وسلم - في أن رسل قريش قد لا يكون لديهم من الإقدام ما يقنعون به قريشاً بالرأي الذي يرى فبعث من جانبه رسولاً يبلغهم رأيه لكنهم عقروا جمل هذا الرسول وأرادوا قتله لولا أن منعته الأحابيش فخلوا سبيله وخرج جماعة من سفهاء مكة - أربعون أو خمسون - يريدون العبث بمعسكر المسلمين، فأخذوا أخذاً، وجيء بهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطلق وثاقهم وعفا عنهم.
وقد أراد عليه السلام أن يمتحن صبر قريش مرة أخرى فدعا عمر بن الخطاب ليذهب إليهم فاعتذر بأنه ليس له هنالك من ينصره ويحميه من عداوتهم إذا أرادوا الاعتداء عليه، وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن عثمان أعز بها مني، فخرج عثمان ولقيه أبان بن سعيد فأجاره وأبلغهم رسالته فلم يأبهوا بها، ولكنهم أذنوا له في دخول البيت والطواف به فأبى إلا أن يكون مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وأجابت قريش بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة، وطال احتباس عثمان هنالك وترامى إلى المسلمين أنه قتل غيلة وغدراً.
ودخل في روع النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً قتلت عثمان فقال لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا أصحابه ووقف تحت شجرة في هذا الوادي فبايعوه جميعاً على ألا يفروا حتى الموت، وكلهم حماسة للانتقام ممن غدر وقتل وهي بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى في سورة الفتح (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18).
وبهذه البيعة اهتزت السيوف في أغمادها وتبدى للمسلمين جميعاً أن الحرب آتية لا ريب فيها، وجعل كل ينتظر يوم الظفر أو يوم الاستشهاد.