وقد حدث التاريخ: أن أباه فارق هذه الدنيا بعد حمل أمه به بشهرين اثنين، وأن أمه قد لحقت به بعد أربع سنوات من وضعه، وأن أمه لما رأت أن تجري على سُنة العرب الذين كانوا يدفعون بأبنائهم للمراضع لينشأ الناشئ منهم على الخشونة والنبل والإباء والشرف والنجابة والشمم، لم تجد له من ترضى بضمه إليها وولت كل امرأة بوجهها عنه بعد أن عرفت أنه لا أب له من أهل الثراء، ولا أم له من أرباب الغنى، وأن المرأة التي تقبل على نفسها أن تأخذه إنما تتقرب للأوثان، أو ترمي بجهدها الذي تبذله في وجه الشيطان، لأن لقمة العيش لا تُشتَرى بالمعروف والحياة لا تستقيم إلا لمن يدفع لها الثمن من المال ...
ولولا أن (حليمة السعدية) صادفها الجد العاثر والفأل العاطب، ما قبلت على نفسها أن تأخذه أو تعود إلى منزلها بصفقة المغبون، اللهم إلا أن يكون رضاها به لدفع ما عساه أن يوجه إليها من تهمة الخيبة وعار شؤم الرجوع من غير شيء.
وقد ظل الطفل عند أمه (حليمة) وانتهى رضاعة وحبا ومشى وأكل وحده ولبس وحده، وكان المفروض في أمثاله من الأطفال أن يلحقوا بذويهم من الآباء والأمهات ليجدوا هنالك من رعاية الوالد وحنان الأم ما لا يمكن بحال من الأحوال أن يجدوه إلا عندهما، وتلفت الطفل ليجد هذين فلم يجد، فبقي في بيت (حليمة) يمرح مع ابنها ويروح ويغدو إلى أن جاء إليه الملك (جبريل) ليشق صدره الشريف ويخرج منه تلك العلقة السوداء التي يتسرب منها الشيطان إلى النفس، ويَنفذ منها إبليس إلى خواطر الناس، ليلقي فيها ما يريد من هواجس البشر.