ولا أكثر إلا هو معهم بعلمه وقدرته وإحاطته أينما كانوا تحت الأرض أو فوقها في السماء أو دونها، ثم ينبئهم أي يخبرهم ويعلمهم بما عملوا يوم القيامة ليجزيهم به ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ تقرير لما سبق من علمه بالمحادين له وبالمنافقين المناوئين للمؤمنين وسيجزى الكل بعدله وهو العزيز الحكيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- وعيد الله الشديد بالإكبات والذل والهوان لكل من يحاد الله ورسوله.
2- إحاطة علم الله بكل شيء وشهوده لكل شيء وإحصاه لكل أعمال العباد حال توجب مراقبة الله تعالى والخشية منه والحياء منه أشد الحياء.
3- الإرشاد إلى أن التناجي للمشاورة في الخير ينبغي أن يكون عدد المتناجين ثلاثة أو خمسة أو سبعة ليكون الواحد عدلا مرجحا للخلاف قاضيا فيه إذ اختلف اثنان لا بد من واحد يرجح جانب الخلاف وإذا اختلف أربعة لا بد من خامس يرجح جانب الخلاف.
58.8-10
شرح الكلمات:
ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى: أي المسارة الكلامية والمنهيون هم اليهود والمنافقون.
ثم يعودون لما نهوا: أي من التناجي تعمدا لأذية المؤمنين بالمدينة.
ويتناجون بالإثم والعدوان: أي بما هو إثم في نفسه، وعداوة الرسول والمؤمنين.
ومعصية الرسول: أي يتناجون فيوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول وعدم طاعته.
وإذا جاءوك حيوك: أي جاءوك أيها النبي حيوك بقولهم السام عليك.
بما لم يحيك به الله: أي حيوك بلفظ السام عليك، وهذا لم يحيي الله به رسوله بل حياه بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ويقولون في أنفسهم: أي سرا فيما بينهم.
لولا يعذبنا الله بما نقول: أي هلا يعذبنا الله بما نقول له، فلو كان نبيا لعاجلنا الله بالعقوبة.
حسبهم جهنم يصلونها: أي يكفيهم عذاب جهنم يصلونها فبئس المصير لهم.
فلا تتناجوا بالإثم والعدوان: أي فلا يناج بعضكم بما هو إثم ولا بما هو عدوان وظلم ولا بما هو معصية للرسول.
وتناجوا بالبر والتقوى: أي وتناجوا إن أردتم ذلك بالبر أي الخير والتقوى وهي طاعة الله والرسول.
إنما النجوى من الشيطان: أي إنما النجوى بالإثم والعدوان من الشيطان أي بتغريره.
ليحزن الذين آمنوا: أي ليوهمهم أنها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم.
وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله: ألا وليس التناجي بضار المؤمنين شيئا إلا بإرادة الله تعالى.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون: أي وعلى الله لا على غيره يجب أن يتوكل المؤمنون.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ ألم تر ﴾ الآية.. هذه نزلت في يهود المدينة والمنافقين فيها. إذ كانوا يتناجون أي يتحدثون سرا على مرأى من المؤمنين، والوقت وقت حرب فيوهمون المؤمنين إن عدوا قد عزم على غزوهم، أو أن سرية هزمت أو أن مؤامرة تحاك ضدهم فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التناجي، وقال
" لا يتناج اثنان دون ثالث "
وأبوا إلا أن يتناجوا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعجب رسوله منهم ويوعدهم بعد فضحهم وكشف الستار عن كيدهم للمؤمنين ومكرهم بهم فقال تعالى لرسول ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى وهي التناجى المحادثة السرية أمام الناس، ثم يعودون لما نهوا عنه عصيانا وتمردا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتناجون لا بالبر والتقوى، ولكن بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول أي بما هو إثم في نفسه كالغيبة والبذاء في القول، وبالعدوان وهو الاعتداء على المؤمنين وظلمهم، وبمعصية الرسول فيوصي بعضهم بعضا بعصيان الرسول وعدم طاعته في أمره ونهيه. هذا وشر منه أنهم إذا جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيوه بما لم يحيه به الله فلم يقولوا السلام عليكم ولكن يقولون السام عليكم والسام الموت يلوون بها ألسنتهم، ويأتون الرسول واحدا واحدا ليحيوه بهذه التحية الخبيثة ليدعوا عليه بالموت لعنة الله عليهم ما أكثر أذاهم وما أشد مكرهم وما أنتن خبثهم ويقولون في أنفسهم أي فيما بينهم لو كان محمد نبيا لآخذنا الله بما نقول له من الدعاء عليه بالموت وهذا معنى قوله تعالى عنهم: ﴿ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ﴾ أي هلا عذبنا الله بما نقول لمحمد صلى الله عليه وسلم لو كان نبيا.